السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

لمـاذا تحشد أمريكا الجيوش؟

هناك شبه إجماع بين مفكرى وقادة الغرب على أن إدارة الرئيس جورج دبليو بوش قد قامت بانقلاب فى السياسة الأمريكية، وغيَّرت التحالفات والتوجهات فجأة، وجعلت من أصدقاء الأمس أعداء اليوم، مما يثير المخاوف لدى أصدقاء اليوم من أن يصبحوا أعداء الغد.. فليس هناك ضمان، وليس هناك أمان، هناك فقط تهديدات باستعمال القوة، وجيوش تستعد، وحاملات طائرات تتحرك، ولا أحد يعرف مكانه فى القائمة، ولا متى يأتى عليه الدور.

فقد كانت الولايات المتحدة أكبر نصير للحريات فأصبحت الآن على رأس قائمة المنظمات العالمية لحقوق الإنسان باعتبارها أكبر دولة فى العالم تنتهك حقوق الإنسان، وتعتدى على الحريات ولا تقيم وزنا لسيادة القانون.

وكانت الولايات المتحدة النصير الأكبر للإسلام والمسلمين باعتبارها دولة علمانية لا تنحاز إلى دين ولا تعادى أحد الأديان، ولكنها الآن تعلن أنها دولة مسيحية، وتعلن انحيازها لليهودية والمسيحية ومعاداتها للإسلام والمسلمين.. وتستخدم أساليب التمويه السياسى المعروفة بإذاعة تصريحات وبيانات تستنكر فيها العداء للإسلام، بينما الأعمال والمواقف كلها تشهد بعكس ذلك..

والدليل على ابتعاد الولايات المتحدة عن العالم الإسلامى أن مدير المخابرات المركزية الأمريكية جورج تينيت وقف فى حفل عشاء أقامه مركز نيكسون فى شهر ديسمبر 2002 وقال: إن على الولايات المتحدة أن تقترب من العالم الإسلامى لكى تفوز بالحرب ضد الإرهاب، وقال أيضا: إن أمان دولتنا يتحقق بمراعاة التوازن.. وهذه الكلمات التى نقلتها وكالة أسوشيتد برس الأمريكية تدل أولا على أن هذا المسئول الكبير يعترف بأن الولايات المتحدة ابتعدت عن العالم الإسلامى، ويعترف كذلك بأن السياسة الأمريكية الحالية تفتقد إلى التوازن، أى أنها سياسة جامحة ومنحازة..

ولقد سافر عدد من كبار المثقفين المصريين إلى الولايات المتحدة فى يناير 2002 وأجروا حوارات مع مجموعات من المثقفين الأمريكيين للتعرف على رؤيتهم لجوهر الأزمة القائمة فى العلاقات العربية الإسلامية-الأمريكية ومحاولة البحث عن الفرص والوسائل المتاحة لإصلاح ما فسد من هذه العلاقة عقب أحداث سبتمبر 2001، وكانت هذه الرحلة بدعوة من الرئيس السابق بيل كلينتون الذى أنشأ مؤسسة أسماها (مؤسسة وليام جيفرسون كلينتون الرئاسية)، وكانت المجموعة المصرية مكونة من الدكتور أحمد كمال أبو المجد، والدكتور ميلاد حنا، وبعد عودتهما كتب الدكتور كمال أبو المجـد ملخصا لما دار، وبدأ بما أثاره الحاضرون، وهم من الصفوة السياسية والأكاديمية فى الولايات المتحدة، حول طبيعة الإسلام كدين وحضارة وأسلوب حياة، وعما إذا كانت هذه الطبيعة تحمل فى نسيجها توجها عدوانيا يمكن أن يتصاعد ويصبح إرهابا، وترددت عبارة (الجهاد الإسلامى) على ألسنة الحاضرين.. بل كانت فى عنوان إحدى الندوات فى نيويورك، وكان العنوان بالضبط هو (هل هناك جهاد إسلامى ضد أمريكا؟)، وعلق الدكتور أبو المجد على ذلك بأن هذا التساؤل يمثل (حالة) من التأثر بالصورة السلبية التى يقدمها الإعلام الأمريكى عن جميع العرب والمسلمين، وقد أصبحت حالة لا تفلح فى إصلاحها التصريحات الودية التى صدرت من بعض المسئولين الأمريكيين تجاه الإسلام، ودارت أحاديث حول ثلاثة أسباب لما أسموه (الإرهاب الإسلامى) أولها غياب المشاركة السياسية الحقيقية، وثانيها اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وثالثها انتشار التشرد الدينى الذى يحمل العداء للآخر سواء كان الآخر فى الداخل أو فى الخارج، بينما كان رأى الدكتور أبو المجد والدكتور ميلاد أن جوهر الأزمة بين العالم الإسلامى وأمريكا ليس الدين، ولكنها فى حقيقتها أزمة سياسية، فهى تعبير عن الإحباط الشديد، وخيبة الأمل والعجز عن فهم بعض السياسات والمواقف الأمريكية خصوصا فى الصراع العربى الإسرائيلى، فالموقف الأمريكى منحاز لإسرائيل بصورة فجة وغير مسبوقة إلى حد استخدام الولايات المتحدة حق الفيتو فى مجلس الأمن على قرارات تمت صياغتها فى عبارات عامة وألفاظ فضفاضة ولا تتضمن إدانة صريحة لإسرائيل، على أمل أن تقبلها أمريكا كنوع من الترضية للعرب وللمسلمين ومراعاة مشاعرهم، وهذا الموقف الأمريكى يعطى لشارون أكثر بكثير مما ينتظره من الولايات المتحدة، وهل سمع أحد أو قرأ فى التاريخ أنه تم حصار زعيم أو رئيس فى مقره ومنعه من مغادرته وفى نفس الوقت يطالبه خصمه وتطالبه أمريكا بأن يسيطر على شعبه وألا يفلت من سيطرته فرد واحد وإلا كان ذلك دليلا لا يناقش على مسئوليته الشخصية عن كل حادث عنف فردى يقع من واحد من شعبه!!.. وشارون يكرر أن الرئيس عرفات لم تعد له قيمة ولا تصدر من أمريكا إشارة تدل على الاعتراض على هذه الإهانات.. أليس ذلك كافيا لكى يُغرَس فى الشعب الفلسطينى والشعوب العربية إحساس عميق بالظلم والإهانة والاستخفاف؟ وهى مشاعر لا يستطيع أحد أن يمنع تحولها يوما ما إلى رغبة فى الثأر والانتقام.

***

ومن بين ما قاله الدكتور أبو المجد:إذا كانت مشاعر الغضب والإحباط قد أدت ببعض المسلمين  إلى الفرار من الواقع بما فيه من مرارة، ومن الماضى بما فيه من أمجاد وانتصارات إسلامية، ومن المستقبل الذى يبدو غامضا، وانحازوا إلى مجتمعات مغلقة، انعزلوا بها عن المجتمع، وأدت هذه العزلة إلى تكوين فقه خاص بهم أوصلهم إلى حرب لا تنتهى مع مجتمعاتهم أولا ثم مع العالم كله، وقد تجاوزوا ذلك كله إلى الاستهانة بحرمة دماء الناس كلهم، ويفعلون ذلك وهم يظنون أنه (الجهاد) الذى شرعه الله للمسلمين، وأنه طريقهم إلى الجنة، لكن ذلك كله لا ينسب إلى الإسلام ولا يجوز أن يحاسب عليه سائر المسلمين، كما لو كانوا شركاء فيه، ذلك لأن المبدأ الإسلامى (لا تزر وازرة وزر أخرى) (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وفى الفقه الجنائى فى  الغرب مبدأ الجريمة شخصية والعقاب شخصى، فكيف تكون إدانة ملايين العرب والمسلمين لأن أفرادا منهم ارتكبوا أعمالا لم يستشيروا فيها أحدا ولم يقرهم عليها أحد..

وبالإضافة إلى ذلك فإن الحضارات ليست جامدة، ولكنها فى حركة وتطور.. وكما أن الحضارة الغربية تعيش الآن مرحلة مراجعة وتطور بعد الثورات العلمية والتكنولوجية الكبرى فإن الحضارة الإسلامية أيضا فى مرحلة مراجعة وتطور لمسايرة ما فى هذا العصر من طفرات فى كل المجالات، والمثقفون فى العالم العربى والإسلامى يمارسون منذ سنوات عملية مراجعة ونقد ذاتى بحثا عن طريق الإصلاح لأوضاعهم كلها، لكى تعيش المجتمعات الإسلامية فى الحاضر، وتعمل للمستقبل وتتخلص من الجمود والحياة فى الماضى، ولكن الغرب لا يدرك أهمية هذا الجدل الدائر حول تحديث المجتمعات العربية والإسلامية، وحول اكتشاف القيم المشتركة بين الأديان السماوية، وحول كيفية الالتحاق بعصر المعرفة وبالعولمة.

***

والمهم فيما قاله بعض المفكرين الأمريكيين من أن توجيه ضربات عسكرية إلى دول أخرى غير أفغانستان سيؤدى إلى تغيير طبيعة الحملة على الإرهاب التى بدأت بتصفية تنظيم القاعدة، ويتحول بها إلى مسار جديد هو تنفيذ استراتيجية سياسية للولايات المتحدة يستخدم شعار محاربة الإرهاب لتنفيذها، ويتجاوز حدود السلطة التى تملكها القوة الكبرى الوحيدة فى النظام العالمى الحالى.. ولاشك أنه أمر مثير للدهشة أن يعلن الرئيس الأمريكى عن احتمال توجيه ضربات عسكرية إلى ثلاث دول أسماها (محور الشر) هى العراق وإيران وكوريا الشمالية، وهى دول لا شىء يجمع بينها حتى توضع فى سلة واحدة.

وكل هذا يؤدى إلى حقيقة هى أن أمريكا لا تقود الحرب على الإرهاب والإرهابيين، ولكنها تقود الحرب على دول وشعوب.. وتستخدم الإرهاب أحيانا.. وتستخدم الإسلام أحيانا أخرى.. وتستخدم موضوع احتمال وجود قدرات لإنتاج أسلحة الدمــار الشــامل.. وكــل هــذه حجج أو مبـــــررات لا أكثر.. وكل حرب فى التاريخ لها أهداف معلنة وأهداف خفية، والأهداف الخفية هى الأهداف الحقيقية، وكل حرب لابد أن تدور تحت شعار براق عادل.. حرب من أجل القيم الديمقراطية.. حرب من أجل السلام.. حرب من  أجل القضاء على الشر.. وهذا ما حدث فى الحروب العالمية الكبرى والحروب المحلية الصغيرة وحتى فى المعارك والصراعات المحلية داخل حدود الدولة.

الأهداف والشعارات المعلقة شىء.. والأهداف والنوايا الحقيقية شىء آخر.. ولا توجـد حـرب فى التاريخ ليس وراءها أطماع وبحث عن مكاسب سياسية واقتصادية. ليس هناك حرب للحرب.. وليس هناك حرب للتسلية.. وليس هنــاك حــرب مـن أجــل أهداف خيرية.. لأن الشعوب لا تقبل التضحية بأبنائها وأموالها وقدراتها العسكرية تطوعا إنسانيا لعمل الخير.. الحرب تضحية كبرى.. ومغامرة.. وملحمة.. وخراب.. ودمار.. ودماء.. وأرواح.. فإذا لم يكن العائد منها يساوى كل ذلك فإن من يقوم بها مجنون..

وإن علينا أن نبحث لماذا الحرب؟

***

أجاب عن ذلك السؤال الكاتب الأمريكى توماس فريدمان فى نيويورك تايمز فقال: إنها حرب من أجل إحكام السيطرة الكاملة على بترول الشرق الأوسط..

والبروفيسور نعوم تشومسكى (74 سنة) المفكر الأمريكى المشهور والأستاذ بجامعة بوسطن يرى أن الخطة سبق إعدادها قبل الأحداث الإرهابية فى سبتمبر، والعراق لديه ثانى أكبر احتياطى للبترول فى العالم، والولايات المتحدة تريد أن تستعيد السيطـرة علـى هــــذا الاحتيـاطى، ولا علاقة لذلك بأسلحة الدمار الشامل، ولا بصدام حسين، وهى ستصل إلى هذا الهدف، ويمكنها بذلك هدم منظمة الأوبك، والتحكم فى إنتاج وأسعار النفط وفقا لما تريد، والقضية ليست مجرد حصول أمريكا على بترول العراق، لأن أمريكا ليست فى حاجة ملحة إليه، وهى تتوقع الاعتماد على موارد مضمونة أكثر فى حوض الأطلسى، ومع ذلك فإنها لن تستغنى عن بترول الشرق الأوسط، وقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية فى الأربعينات أن بترول الشرق الأوسط مصدر هائل للقوة الاستراتيجية وأعظم غنيمة فى تاريخ العالم، وبالطبع فإن الولايات المتحدة تريد السيطرة على هذه الغنيمة بالكامل، وبذلك تكون هى المسيطرة على مصادر الطاقة فى العالم، أى تكون هى المسيطرة على العالم.

***

ليس ذلك فقط.. بل إن تشومسكى يرى أن الحرب الأمريكية تعطى الإدارة الأمريكية الحالية قوة وتجعلها قادرة على إسكات الخصوم والمعارضة لأن (أمريكا فى حرب) ومن يعارض يصبح ضمن الطابور الخامس الذى يعمل لإضعاف الروح المعنوية والتأثير على سير الحرب لصالح الأعداء، وبذلك يضمن الرئيس بوش موقفا أفضل فى انتخابات الرئاسة القادمة أفضل من الموقف الضعيف الذى لم يحقق فيه الفوز بالمعنى  الحقيقى، ولاشك أن ذلك كان له تأثير عليه، ويعمل من الآن على تغيير المناخ السياسى فى الولايات المتحدة وتحويل أصوات الجميع إلى مؤيدين له، وبالحرب يغطى على الأزمات الداخلية العاصفة، الأزمة الاقتصادية، وأزمة نقص الرعاية الاجتماعية والصحية، وأزمة انهيار شركات كبرى، وأزمة تفجر قضايا فساد تقترب من الرؤوس الكبيرة وأولها نائب الرئيس ديك تشينى لمسئوليته عن فضيحة شركة إنرون.. وسياسة بوش أن يشغل الأمريكيين عن التفكير أو الحديث فى مشاكلهم، ويتابعوا تحركات  الجيوش الأمريكية، وانتصارات راعى البقر وأعماله البطولية لإنقاذ أمريكا من خطر محيط بها!

هذا ما قاله تشومسكى فى حوار مع مقدم البرامج الشهير حافظ الميرازى، وقال: إن بوش يريد أن يحقق انتصارا مدويا قبل الحملة الانتخابية بوقت كافِ، لكى يحتفل بالنصر احتفالا يغطى على كل الأزمات، وينسى به الأمريكيون ما قد يكونون قد فقدوه من أرواح أبنائهم، ويقدم لهم الوعد بالسير نحو انتصار ثانِ، وبذلك يضمن التصفيق فى طول البلاد وعرضها عندما يطوف بها فى دعايته الانتخابية.

المسألة إذن ليست الإرهاب.. وليست الإسلام.. بل ليست صدام حسين.. ولا أسلحة الدمار الشامل!

***

ومن أمريكا تتسرب أخبار تقول: إن الولايات المتحدة سوف تعين حاكما عسكريا أمريكيا على العراق بعد الغزو، كما فعلت فى اليابان، وعينت الجنرال الأمريكى ماك آرثر حاكما لليابان.

ويعلق تشومسكى فيقول: إن ذلك مستحيل، ويدل على جهل مطبق باليابان، وبالعراق، وقد أثار تعيين ماك آرثر معارضة داخل أمريكا انتهت بإعادة الامبراطور إلى السلطة.. أما فى العراق فالأمر مختلف لأن تزايد الكراهية للسياسة الأمريكية يجب أن يوضع فى الحسبان، وفى أيام حكم أيزنهاور كانت الإدارة الأمريكية قلقة جدا بسبب حملة الكراهية ضد أمريكا فى العالم العربى، ولم تكن الكراهية من الحكومات.. بل كانت من الشعوب، وكان هذا الموضوع محل بحث موسع فى مجلس الأمن القومى وانتهى إلى أن سبب الكراهية أن أمريكا هى التى تعوق التنمية والديمقراطية فى العالم العربى لكى تحقق مصالحها، وكل ما يهمها هو السيطرة على المنطقة.. وقال تشومسكى: تذكروا أن الذين يعملون فى الإدارة الأمريكية الآن هم الذين دعموا صدام حسين أثناء ارتكابه الفظائع التى يحكمون عليه بالإدانة الآن بسببها، ولم يكن شىء مما يفعله صدام حسين منذ تولى الحكم خافيا على أمريكا فى يوم من الأيام، ولم يسمع أحد اعتراضا واحدا من أمريكا على كل ما فعله بما فى ذلك برنامج التسليح الذى كان يتم تنفيذه أمام عيون الولايات المتحدة، ولم يكن شىء خافيا عليها منذ البداية‍

ولكن تشومسكى له رأى أخطر فيما يتعلق بمستقبل الدولة الفلسطينية.

***

تشومسكى يرى أن من أهداف الإدارة الأمريكية فى هذه الحرب تنفيذ مشروع بوش الأب، ففى ديسمبر 1989 صادقت الإدارة الأمريكية على خطة بيكر، وهى تنفيذ مشروع الحكومة الائتلافية فى إسرائيل فى ذلك الوقت (حكومة شامير وبيريز) وكانت النقطة الأولى أنه من غير الممكن أن تتواجد دولة فلسطينية، بما يعنى تأييد المشروع الإسرائيلى القديم الذى يعتبر الأردن هو أصلا دولة فلسطينية، وأنه من غير الممكن أن تتواجد دولة فلسطينية ثانية..

ثم إن تشومسكى يعيدنا مرة أخرى إلى الحديث عن الحرب على الإسلام.

***

يقول تشومسكى: إن الولايات المتحدة-فى حقيقتها-مجتمع أصولى متدين إلى أبعد حد.. بل إنه من أكثر المجتمعات الأصولية فى العالم، حيث يؤمن 40% من الأمريكيين بأن العالم خلق منذ 6 آلاف سنة، ويكرر تشومسكى: أن الأصولية فى الولايات المتحدة أعلى من الأصولية فى إيران، وكانت الأصولية كتلة سلبية فى المجتمع الأمريكى لزمن طويل، لكنها الآن أصبحت أكثر نشاطا فى المجال السياسى، وأظن أن ذلك بدأ فى عهد إدارة كارتر، وقد أضفى كارتر عليها بعض الهيبة وتبنى مواقف شبيهة بمواقفها، وعندما جاء ريجان أدرك الأصوليون أن هذه فرصتهم، فقد كان ريجان مسيحيا أصوليا، أو ربما تظاهر بأنه كذلك، وأصبحت الأصولية الدينية ظاهرة مهمة فى الحياة السياسية الأمريكية فى تلك الفترة إلى أن جاء بوش الأب فوقف فى طريقها وعمل على كبح جماحها لأنه كان ليبراليا وكان رجل دولة، وكان مختلفا عن الرجال الذين أحاطوا بريجان وكانوا مجموعة من الصقور المتطرفين.. ولكن اعتبارات السياسة هى التى تحكم تصرفات الإدارة الأمريكية، وإذا اقتضت المصالح الأمريكية إعلان الحرب على دولة تسود فيها الأصولية المسيحية فلن تتردد، وقد حدث ذلك فعلا فى الثمانينات أثناء ما كان يسمى (الحرب الأولى على  الإرهاب) عندما قامت الكنيسة الكاثوليكية بتبنى ما أسموه الموقف المنحاز للفقراء، ورأت المصالح الأمريكية أنه لابد من تدميرها، فبدأ الأمر باغتيال أحد الأساقفة، وانتهى باغتيال ستة مفكرين يسوعيين بارزين ثم أعقبهم اغتيال أعداد كبيرة، ثم عشرات الآلاف من الفلاحين.

ويقول تشومسكى: إن تحويل أسامة بن لادن المعركة مع أمريكا إلى صراع دينى بين الإسلام والغرب يعجب اليمين المسيحى، الذى يسعى إلى خلق صراع بين الحضارات..

يقول تشومسكى: إن صدام الحضارات غير موجود، ولكن من الممكن إيجاده، وعلى سبيل  المثال فقد أعلنت المخابرات الأمريكية أن صدام حسين لا يمثل أى خطر إرهابى، لكن هذا الخطر سوف يوجد (!).

ويفسر تشومسكى ذلك بأن الهجوم على العراق قد يؤدى إلى موجة من الإرهاب الإسلامى الراديكالى فى أنحاء العالم.. وهذا احتمال قائم.. وإذا حدث فسيكون الشرارة لصدام الحضارات  الذى يسعى إليه المتطرفون.

أعتقد أن صراحة تشومسكى التى تقدم الحقائق عارية دون مواربة ودون مناورات هى التى تجعلنا نفهم ما تحت السطح فى السياسة الأمريكية، وفى نظرية صراع الحضارات، وما يقال عن حتمية الصدام بين الغرب والإسلام.

***

وليس تشومسكى فقط هو الذى يعلن الحقيقة بصراحة، فهناك من يعلن بصراحة أيضا أن الحرب فى حقيقتها حرب على الإسلام، وهى التعبير العسكرى عن (الإسلاموفوبيا) التى أصبحت سائدة فى أمريكا أيضا، وعلى سبيل المثال فإن البروفيسور نيانج Nyang أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة هاوارد بواشنطن يقول:إن المسلمين يعاملون فى أمريكا الآن، كما كان الكاثوليك يعاملون فى القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقد كان الكاثوليك مهاجرين من بلاد وأصول عرقية مختلفة، ولكن كان ينظر إليهم، كما لو كانوا مجموعة واحدة، كذلك لا يدرك الأمريكيون الاختلافات بين المسلمين من حيث ثقافة كل بلد من البلاد التى هاجروا منها، أو من حيث المذهب الذى يعتنقونه (سنة أو شيعة أو غيرهما) ولا من حيث الأصول العرقية (عربا أو آسيويين أو أفارقة) ويرون المسلمين كتلة واحدة، وهذا أول مظهر من مظاهر الإسلاموفوبيا، أى مرض الخوف من الإسلام، ولذلك فإن المسلمين يواجهون الاضطهاد الذى كان يواجهه اليهود أثناء حملات معاداة السامية، والألمان أيام الحملة على النازية والأمريكيون الزنوج أيام التفرقة العنصرية..

والبروفيسور جيمس بنينج Penning أستاذ العلوم السياسية بكلية كالفن بولاية ميتشجن يقول: إن المسلمين فى أمريكا يواجهون الإسلاموفوبيا ويعانون من سوء المعاملة، ولكن عليهم أن يواجهوا المأزق الذى هم فيه بشجاعة، وهذا المأزق-كما يراه-أن عليهم أن يعملوا على الاندماج فى المجتمع الأمريكى، ويشعروا هم أولا لكى يشعر الآخرون بذلك أنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع الأمريكى وليسوا جماعة منفصلة تعيش فى أمريكا، وفى نفس الوقت عليهم أن يحملوا المتاعب نتيجة رفض المجتمع الأمريكى إدماجهم فيه ومعاملتهم كسائر الأمريكيين، لأن المجتمع الأمريكى يطالبهم بالاندماج، ويضطهدهم لأنهم لا يندمجون ويصبحون أمريكيين مثل الأمريكيين، وفى نفس الوقت يرفض المجتمع إعطاءهم فرصة للاندماج، وعلى المسلمين أن يجدوا لأنفسهم حلا لهذه المعضلة..

ودليل على ما يقوله جيمس بنينج : إن عبد الرحمن العمودى المسئول فى المجلس الإسلامى الأمريكى قدم تبرعا لحملة انتخاب هيلارى كلينتون عضوا بمجلس الشيوخ عن نيويورك، ولكنها رفضت التبرع لأن العمودى سبق أن أعلن عبارة تأييد للفلسطينيين، ومرة أخرى قدم المجلس الإسلامى الأمريكى تبرعا لحملة انتخاب الرئيس الحالى بوش فأعادوا إليه التبرع لنفس السبب، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز، ومع ذلك أصدر المجلس الإسلامى الأمريكى بيانا طالب فيه الأمريكيين المسلمين بالمشاركة فى الانتخابات، وقال فى  البيان (اجعلوا المرشحين والمسئولين يسمعون صوتنا)، ولكن المجتمع الأمريكى لم يرحب بهذا الاتجاه، ولم يجد ترحيبا حتى ممن أراد المسلمون تأييدهم فى الانتخابات.

ويفسر الدكتور ساشيدينا Sachedina وهو أصلا من تنزانيا وتعلم فى إيران ويعمل أستاذا بجامعة فيرجينيا هذه الظاهرة بأن اختلاف الثقافات يباعد بين المسلمين والأمريكيين، فالمهاجرون من بلاد إسلامية ينتمون إلى ثقافة سياسية أوتوقراطية لا تعرف مشاركة الشعب مشاركة حقيقية فى النظام السياسى، ويشعر المواطن فيها بأنه ليست له قيمة أو تأثير فى القرار، والإسلام يعلم أتباعه أن سلطة الحكم هبة من الله والله يعطى لكل شعب الحكومة التى يستحقها، فالحكومة السيئة عقاب من الله، والمسلمون موقفهم سلبى من حكوماتهم، وشعارهم: إياكم أن تهزوا المركب، فقد تكون هذه أفضل من غيرها.. مثل هذه السلبية يقابلها المجتمع الأمريكى بالدهشة والاستنكار.. كذلك يواجه بالدهشة دعوة المجلس الإسلامى الأمريكى لأعضائه بأن يخرجوا من عزلتهم، ويشاركوا فى الحملات السياسية والحملات ضد المخدرات، والإيدز، والحمل فى سن المراهقة، والاشتباك مع الأحداث الاجتماعية اليومية..

المشكلة أن معظم المسلمين الأمريكيين من أصول أفريقية وهؤلاء غير متعلمين ويصعب عليهم الاندماج فى مجتمع منظم، والاشتراك فى حوار ديمقراطى، بينما هناك مسلمون أمريكيون من أصول عربية فيهم كثير من المتعلمين، وبالطبع لا يمكن التفاهم بينهم مع وجود هذا الفارق الثقافى، والدكتورة ماكلود Ma Cloud مستشار المجلس الإسلامى الأمريكى تضيف سببا آخر هو أن بعض المسلمين البيض اكتسبوا من الأمريكيين النزعة العنصرية فلا يحبون مشاركة المسلمين السود مع أنهم هم الأغلبية.. وبذلك يخسر المسلمون البيض دعم هذه الأغلبية، وهذا ما يؤدى إلى عدم وجود كيان واحد أو صوت واحد يعبر عن المسلمين فى أمريكا، ويدافع عن حقوقهم، مع أن المسلم الأمريكى الأسود المتعلم هو الأكثر فهما واندماجا فى المجتمع الأمريكى.

هل أنت أمريكى أولا ومسلم ثانيا أو مسلم أولا وأمريكى ثانيا؟..

هذا السؤال هو محور المشكلة فى أمريكا كما هو محورها فى بريطانيا.. فى بريطانيا كان أول القتلى برصاص القوات البريطانية فى أفغانستان اثنين من تنظيم القاعدة تبين أنهما يحملان الجنسية البريطانية، وأنهما يقاتلان مع طالبان (تلبية لنداء الإسلام) وأثيرت فى بريطانيا القضية على نطاق واسع، هل المسلمون المهاجرون الذين يعيشون فى بريطانيا ويحملون الجنسية البريطانية وأولادهم من الجيل الثانى ويجندون فى الجيش البريطانى، هل ولاؤهم للإسلام أو لبريطانيا؟.. وأجريت دراسات سألوا فيها أعدادا كبيرة من شباب المسلمين المولودين فى بريطانيا بعضهم مجندون فعلا وبعضهم على وشك التجنيد: إذا قامت حرب بين القوات البريطانية وقوات جيوش إسلامية.. هل تشارك إخوانك البريطانيين فى قتال المسلمين؟.. وكانت صدمة أن بعضهم أجاب بالنفى وقال: إنه لا يمكن أن يرفع السلاح لقتل مسلم، لأن المسلمين إخوة وارتفعت أصوات تقول: إذن فالمسلمون وأبناؤهم فى بريطانيا ليسوا بريطانيين، ولكنهم طابور خامس!

يحدث نفس الشىء تقريبا فى أمريكا.. خاصة أن أحد زعماء المسلمين السود أعلن أن  المسلمين الأمريكيين السود يشعرون أن بلادهم الأصلية التى جاء منها آباؤهم وأجدادهم هى جنة الإسلام، وقد بدأ بعضهم يفضل السفر إلى هذه البلاد لتعلم الإسلام فيها، وبعضهم يشعر بأنهم متفوقون عن غيرهم من المسلمين البيض، ويعبر عن ذلك ظفر الدين أحد زعماء المسلمين السود فيقول: إن المسلمين السود فى أمريكا أصبح لهم (عقل أمريكى) وهو عقل ناقد يحلل ويفحص ولا يسلم بالأمور على علاتها، وثقافة السود تطورت نتيجة عصر العبودية وأصبحت أكثر قدرة على التحدى والمقاومة، ولذلك فإن إسلامهم إسلام أمريكى فريد ومتميز، لأنه لا يفهم أمريكا فهما حقيقيا إلا من ولد وعاش حياته فيها.

باختصار إن الحرب على الإسلام والمسلمين ليست خارج أمريكا فقط، ولكنها أيضا فى الداخل، وباختصار أكثر فإن المسلمين ليسوا فى نعيم فى داخل أمريكا ولا خارجها عندما يضطرون للتعامل معها، لأنها باختصار لا تحبهم!

***

لماذا لا يحبون المسلمين فى أمريكا وفى الغرب عموما؟.. الإجابة عند اوزدم سانبيرك تتلخص فى سببين: الأول أن الرأى العام فى الغرب لا يحصل على معلومات صحيحة عن الدول الإسلامية ولا يجد سوى الأفكار السطحية عن الإسلام، والسبب الثانى أن الرأى العام الأمريكى والأوروبى لديه استعداد للاستماع إلى ما يقوله المتشددون والمتطرفون الذين يقدمون أنفسهم على أنهم زعماء إسلاميون، بينما صوت الإسلام الحقيقى المعتدل يصل إلى الرأى العام، وإذا وصل فإنه لا يلقى الاحترام، وهذا ما يسميه سانبيرك (التحامل الثقافى والدينى)، ويرى الغربيون عموما أنه ليست هناك دولة إسلامية عصرية تجمع بين الديمقراطية والتحديث، وهؤلاء استقر فى أذهانهم أن الدول الإسلامية لم تحقق نهضة صناعية ولا تقدما اقتصاديا، لأنها ليست أهلا لذلك.

ويشير سانبيرك إلى ملاحظة مهمة هى أن التطرف الموجود فى الدول الإسلامية ولد وتتم تغذيته من الدول الغربية، كما يشير إلى ملاحظة أخرى لا تقل أهمية هى أن نصف سكان مدينة كابول عاصمة أفغانستان قتلتهم طالبان والنصف الثانى قتلتهم القوات الأمريكية بغارات الطائرات التى لم تفرق بين أنصار طالبان وغيرهم.

ويصل فى النهاية إلى أنه يجب على الغرب الاعتراف بالحقوق الديمقراطية الطبيعية للشعوب الإسلامية أينما كانت بما لا يقل عما تحظى به حقوق غيرهم من شعوب الدول الغربية، وعلى الغرب أن يكف عن النظر إلى المسلمين على أنهم مختلفون عنهم اختلافا جوهريا، لأن هذه النظرة الاستعلائية سوف تسبب للغرب المزيد من الأضرار.

وفى النهاية.. هل الحرب التى تشنها أمريكا وتؤيدها الدول الأوربية حرب على الإرهاب.. أو على صدام حسين.. أو  على الإسلام؟.. أو هى حرب من أجل تأكيد السيادة الأمريكية فى النظام الجديد؟.. أو هى من أجل البترول؟.

ولن نفهم المسألة إلا إذا قرأنا المقال الخطير الذى كتبه وزير الدفاع الأمريكى دونالد رامسفيلد فى مجلة (فورن أفيرز) وهى أكبر مجلة متخصصة فى الدراسات السياسية والاستراتيجية، وفى هذا المقال المنشور فى مايو 2002 بعنوان (تحويل الجيوش) قال صراحة:إن أمريكا سوف تحارب فى كل مكان للقضاء على عناصر الإرهاب وعلى الفكر الذى يولد الإرهاب، وعلى النظم السياسية التى يمكن أن تؤيد الإرهاب الآن أو مستقبلا، وسوف تحارب بأحدث الأسلحة، كما ستدرب قواتها على الحرب بالأسلحة القديمة ليحاربوا بالطائرات والمدرعات والدبابات ويحاربوا أيضا بالبغال والحمير، وتسلق الجبال على الأقدام، ولن تطبق نظرية حربين فقط فى وقت واحد، ولكن ستطبق نظرية جديدة بالاستعداد لإشعال حروب متعددة فى وقت واحد، والإبقاء على أربع قوات على الأقل مستعدة للحرب فى أربعة ميادين للقتال فى وقت واحد، مع القدرة على احتلال العواصم وتغيير أنظمة الحكم.

وقال رامسفيلد:  إن الاستراتيجية الجديدة تتضمن التخلى عن سياسة (التهديد) وتنفيذ استراتيجية (تنفيذ التهديد فعلا).. ويقول: سوف نجعل أعداءنا يشعرون أنه ليست هناك نقطة فى العالم بعيدة عن متناول أيدينا، وليس هناك جبل، أو كهف، أو خندق، ولا طريق للهرب يمكن أن يمنعنا من الوصول إلى من نريد الوصول إليه.

وقال أيضا: إن هدفنا فى الاستراتيجية الجديدة التأثير على صناعة القرار عند الأعداء، وردعهم، ومنعهم من بناء أسلحة جديدة، وسيكون تواجد الأسطول الأمريكى كافيا لإقناع جميع الدول بعدم بناء أساطيل تنافسنا، لأن ذلك سيكون فوق طاقتهم، وسوف نعمل بنظامين: نظام علنى ونظام سرى، ونعمل بالتوازن بين الأسلحة التقليدية والأسلحة التى تعمل بالاستشعار عن بعد..

وأخيرا يقول رامسفيلد: يجب علينا عدم استبعاد أى شىء فى الحرب..

هل يكفى ذلك مما قاله وزير الدفاع أو نحتاج إلى ما هو أكثر لكى نفهم؟..

هل نفهم؟

أعلي الصفحة

الإرهاب الإسلامى صناعة أمريكية

الأصابع الخفية وراء العداء للإسلام

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف