السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

هل أمريكا بلد الله؟!

 

لن نستطيع فهم المجتمع الأمريكى، والسياسة الخارجية الأمريكية وحقيقة العلاقة بين أمريكا وإسرائيل إلا إذا فهمنا موقع العقيدة الدينية فيها ومدى تأثير هذه العقيدة فى المواقف والسياسات الدولية.. ولن يصدق كثيرمن العرب أن (الأصولية الدينية) هى التيار المؤثر فى أمريكا، لأن الصورة الشائعة عن أمريكا تكونت فى أذهاننا من الأفلام والمسلسلات الأمريكية التى يبدو فيها كل أمريكى وأمريكية يؤمن ويتصرف فى حياته بحرية تصل إلى حد الإباحية الجنسية، والأنانية الفردية وتغليب المصالح المادية على القيم الروحية، وهجر الكنيسة والتشكك فى الأديان، وهذه المظاهر ليست إلا القشرة الخارجية للمجتمع وللإنسان، أو هى أحد وجهى العملة، أما الوجه الآخر أمريكا الحقيقية وملايين الأمريكيين فإنهم أصوليون إلى حد أن بعض الباحثين يرون أنهم لا يختلفون عن التيارات الأصولية فى الشرق الأوسط.
ولابد أن تصيب الدهشة من يقرأ كتاب (بلد الله) الذى أصدرته مكتبة الشروق الدولية، وهو دراسة لباحث أمريكى مرموق هو البروفيسور والتر راسيل ميد أستاذ السياسة الخارجية الأمريكية فى مجلس العلاقات الخارجية، وترجمها بدقة الأستاذ حمدى عباس، وسجل الناشر (الأستاذ عادل المعلم) فى المقدمة بعض المعلومات المهمة التى تفيدنا فى معرفة الدوافع الدينية التى تكمن وراء قرارات الرئيس جورج بوش وخاصة مبدأ (الحرب المقدسة)، ومن هذه المعلومات أن دخل القس الايفانجيلكى بيلى جراهام بلغ فى عام واحد 126 مليون دولار، ومعروف أن أتباعه يزيد عددهم على خمسة ملايين وهو أصولى متشدد يكره الإسلام والمسلمين ويهاجم الإسلام فى برامج تليفزيون يملكه وتأثيره الكبير فى البيت الأبيض معروف، والايفانجيليكيون يؤمنون بأن الكتاب المقدس هو المرجعية العليا التى يجب الالتزام بكل كلمة فيه حرفيا، وأن الخلاص على يد المسيح يبدأ بالإيمان بفدائه للبشر بموته على الصليب، وهم يؤمنون بوجوب التبشير بكلمة الله (وهذا هو السبب فى انتشار المبشرين فى العراق الآن) ويؤمنون أيضا بقدوم المسيح بعد معركة هرمجدون ليحكم العالم ألف سنة وينشر العدل بين الجميع، وهؤلاء هم أقوى مؤيدى الرئيس بوش، وفى كتاب أمريكى مهم عنوانه (أمة اليمين) يقرر المؤلف أن أمريكا أمة بروح كنيسة وأن تاريخ أمريكا هو سلسلة من الحملات الصليبية، وأن فى أمريكا 200 قناة تليفزنية و1500 محطة راديو للبرامج المسيحية.
وكل مساعدى بوش من الأصوليين، ويذكر أن الرئيس بوش ومساعديه يوم أحد السعف عام 2002 كانوا على متن الطائرة الرئاسية عائدين من رحلة إلى السلفادور، فقرر إقامة قداس فى الطائرة لهذه المناسبة، فانحشر أربعون من كبار المسئولين فى غرفة الاجتماعات بالطائرة، وتولت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية إقامة القداس وهى ابنة قس وبارعة فى الغناء والإنشاد الدينى والعزف على البيانو، وقامت كارين هيوز مسئولة الدبلوماسية العامة التلاوة من الكتاب المقدس، وفى النهاية ردد الجميع أنشودة صلاة الشكر على النعم، وتبادلوا بعدها الأحضان والقبلات تعبيرا عن الأخوة المسيحية، وينقل عادل المعلم عن البارونة شيرلى ويليامز التى كانت متزوجة بأستاذ العلوم السياسية البارز فى جامعة هارفارد الراحل ريتشارد نويشتات حديثها أمام مجلس اللوردات البريطانى الذى قالت فيه إن إدارة الرئيس بوش تسيرها أصولية مسيحية وأصولية يهودية لا تقل قوة عن الأصولية الإسلامية.
كما ينقل عادل المعلم عن كتاب (بريتانيكا) عام 2005 أن الأمريكيين اشتروا كتبا دينية فى عام 2004 قيمتها 1900 مليون دولار، وأن سلسلة كتب واحدة للقس تيم لاهاى تروى أحداث المجىء الثانى للمسيح ومعركة هرمجدون بيع منها 60 مليون نسخة وصدرت أيضا فى شرائط فيديو.
قد يجد كثير منا صعوبة فى تصديق أن الأمريكيين يعتبرون بلدهم بلد الله، ويعتبرون الشعب الأمريكى شعب الله المختار، ويرجع ذلك إلى نشأة أمريكا، فقد نشأت عام 1620 بتدفق المهاجرين الذين اعتبروا هذا (العالم الجديد) هو حصن المسيحية وأن لهم رسالة عليهم إبلاغها لبقية شعوب العالم، وبعد ذلك حدث الربط بين الأصولية المسيحية وبين دعم إسرائيل، ونسبة كبيرة من المسيحيين فى أمريكا يؤمنون بأن قيام دولة إسرائيل هو تحقيق للنبوءات الواردة فى التوراة، وأن وجودها فى ذاته إثبات لصحة الكتاب المقدس وللمعتقدات المسيحية وأن الله يبارك أمريكا إذا باركت إسرائيل ويلعن امريكا إذا لعنت إسرائيل، كما يلعن الله العرب لأنهم يلعنون إسرائيل(!!).
الأصوليون الأمريكيون يؤمنون بأن عليهم واجب نشر عقيدتهم فى أنحاء العالم ويتبعون فى ذلك الداعية دوايت مودى فى القرن التاسع الذى كان يقول (إننى انظر إلى العالم كسفينة غارقة، وقد وهبنى الرب قارب نجاة وقال: عليك إنقاذ كل من تستطيع) والأصوليون الأمريكيون لهم آراء سياسية جامدة مثل عدم جدوى إقامة نظام عالمى على أساس أخلاقيات علمانية وعدم جدوى مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة، وهم أكثر الأمريكيين متابعة واهتماما بقصص الاضطهاد الذى يتعرض له المسيحيون فى الخارج (فى لقاء بوش مع بابا روما منذ أيام ناقش معه ما يشعران به من قلق على المسيحيين فى العراق ولم يناقشا المأساة التى يعيشها المسلمون أيضا)، والأصوليون يطالبون الحكومة الأمريكية بعدم التعاون مع الحكومات التى تضطهد الكنائس وتمنع التحول إلى المسيحية والحكومات التى تطبق (القوانين الاِسلامية) وتؤمن بذلك تطبيقا لما قاله النبى اشعيا (لقد عقدنا اتفاقا مع الجحيم) وينشرون النبوءات التى جاءت فى العهد القديم وفى سفر رؤيا يوحنا فى العهد الجديد، تتنبأ بالأحداث التى تسبق نهاية العالم، حين يقدم الشيطان وأتباعه من البشر بالثورة الأخيرة ضد الرب ويلاقى المؤمنون الاضطهاد، لكن المسيح يأتى ليسحق أعداءه ويحكم عالما جديدا.
الأصوليون الأمريكيون يختلفون ويخالفون أنصار الليبرالية المسيحية فى أمريكا وهؤلاء الليبراليون يستبعدون العناصر الأسطورية، ويشككون فى كثير من القصص والروايات التى وردت فى الكتاب المقدس بما فى ذلك قيامة المسيح بجسده، ويرون أن المسيح كان معلما أخلاقيا يحتذون به فى رسالته الموجهة أساسا للفقراء، وامتدت حركة (نقد الكتاب المقدس) إلى طوائف مسيحية أخرى مثل الكنائس المشيخية والمعمدانية الأمريكية والأبرشية والأسقفية، واللوثرية، وهذه الكنائس يتبعها بعض الصفوة الاجتماعية والثقافية ورجال المال والاقتصاد فى الولايات المتحدة، ويقول هؤلاء الليبراليون إنهم يمثلون جوهر البروتستانتية وهم يعلنون رفضهم لما حدث فى تاريخ الكنيسة المسيحية من صكوك الغفران، والمطهر، وعصمة البابا، وتحويل خبز القربان ونبيذه إلى جسد المسيح ودمه، والخطيئة الأصلية، ويرون أن الأديان المختلفة فيها جزء مشترك وأن الأخلاق واحدة فى كل العالم وليست حكرا على دين واحد أو شعب واحد، وكانت هذه البروتستانتية الليبرالية هى التى توجه السياسة الأمريكية أثناء الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة وكان من أتباعها الرئيس فرانكلين روزفلت، وهذا ما فتح الباب للتعاون مع الكاثوليك واليهود.
وفى السنوات الأخيرة انكمشت الطوائف الرئيسية للمسيحية الليبرالية فى أمريكا وفقدوا دورهم فى التأثير على السياسات الأمريكية وعلى المجتمع الأمريكى بصفة عامة، والتيار الأقوى الآن هو تيار الايفانجيليكيين وفى طائفة (مؤتمر المعمدانيين الجنوبيين) أكثر من 16 مليون عضو، ويتشابه الايفانجيليكون مع الأصوليين فى كثير من العقائد المسيحية ويرون أن أفكار الليبرالية المسيحية خيانة للمسيح، وأن الإنسانية عاجزة عن تطبيق أية قوانين أخلاقية بسبب الخطيئة الأصلية وأن الخلاص للإنسان هو فقط صلب المسيح وقيامته وأن يولد الإنسان من جديد فى المسيح هو الاعتراف بطبيعة الإنسان الخاطئة، وبتضحية المسيح، وهم يفرقون بين المسيحى الذى خُلص من الخطيئة ومن لم يُخلص، ويؤمنون بأن جميع نبوءات الكتاب المقدس سوف تتحقق.
أردت من عرض بعض ما فى هذا الكتاب أن أقول إن على من يريد أن يفهم السياسة الأمريكية خاصة فى عهد الرئيس بـوش فعليـه أن يدرس التيـارات الدينية الأصولية أولا، وأن يتعرف على بلد الله والشعب المختار من الرب فى أمريكا!

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف