السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

المراهقة السياسية

أى إنسان عاقل يمكنه أن يدرك أن الظروف المحيطة بنا فى هذه الفترة ظروف دقيقة، ونحن والمنطقة كلها نمر بمرحلة حرجة.. أزمة ركود اقتصادى عالمى تهز اقتصاد الدول الكبرى ولا يمكن أن نتفادى انعكاساتها علينا.. ولا يمكن أن ننجو منها وحدنا.. وحشود عسكرية بمئات الآلاف وبأسلحة الليزر والاستشعار عن بعد واليورانيوم المخصّب.. وضغوط لم يسبق لها مثيل.. وخطط للهيمنة على المنطقة، وإعادة تقسيم الشرق الأوسط مرة أخرى بعد انفراد قوة وحيدة بقيادة العالم والسيطرة على النظام العالمى لتغيير التقسيم الذى تم فى ظل النظام العالمى القديم بعد الحرب العالمية الأولى بمعاهدة سايكس-بيكو.. وعوامل أخرى كثيرة ليس من الصعب على أى عاقل أن يدركها، لأنها أصبحت واضحة وضوح الشمس ولا تحتاج إلى مرشد أو دليل..

وعندما يمر أى بلد بمثل هذه الظروف الصعبة يكون من الطبيعى أن يتجمع المخلصون من أبنائه تحت سقف واحد لحماية بلدهم، ويقفوا صفا واحدا فى مواجهة الطابور الخامس الذى لا يخلو منه مجتمع من المجتمعات.. وهذا الطابور الخامس يضم أشتاتا ممن تم إعدادهم وتربيتهم وإغراقهم بالأموال ودورهم أن يتغلغلوا فى المجتمع، ويتسللوا إلى مواقع مؤثرة فى الرأى العام، وعندما يأتى الوقت المناسب يخرجون إلى العلن بدعاوى حق يراد بها باطل وبحماسة الوطنية التى تخفى الخيانة، وبالمزايدة على الشرفاء، لكى يختلط الحابل بالنابل، ويسود الاضطراب الفكرى، والقلق، والبلبلة، وهذه هى الأرض الخصبة، لمن يتربص وينتظر لحظة الانقضاض..

من الطبيعى أن يتجمع المخلصون للبلد فى هذا الوقت فى صف واحد، بصرف النظر عن انتماءاتهم الحزبية والفكرية والدينية، وبصرف النظر عن ولائهم الحزبى ومصالحهم ومطالبهم الشخصية والطائفية.. من الطبيعى أن يتجمع البلد كله فى كتلة بشرية وفكرية وعاطفية واحدة، ولا يسمع الآخرون منها إلا صوتا واحدا، ولا يتحدث أحد فى هذا الوقت عن خلافاته الشخصية أو تصفية حساباته مع منافسه أو خصمه، أو يدق إسفينا فى زميله، أو يحاول أن يكسب نقطة على حساب غيره، أو يدّعى بأنه الوحيد المخلص والقادر والناجح والجميع فاشلون..باختصار..من الطبيعى فى هذه الظروف أن تختفى (الأنا) ولا يبقى إلا (نحن).. وإذا كانت الروح رخيصة فى معارك الدفاع عن الوطن، فإن التضحية بالمصالح الشخصية من أجل الوطن هى أقل وأرخص تضحية.

فى هذه الظروف لا مكان للانتهازية السياسية، ولا للمراهقة السياسية، ولا للمزايدات على الوطنية، ولا للمحاولات الاستعراضية بقصد إظهار التفوق الفردى وتشويه الآخرين، وباختصار: لا مكان للأمراض السياسية التى تضعف مقاومة البلد فى مواجهة المخاطر الأكبر.

هذه الأمراض السياسية بدأت أعراضها تزداد مع الأسف: تحول النقد المشروع والمطلوب إلى حملات تشويه غوغائية ومسمومة لكل شخص، وكل فكرة، وكل مشروع، وكل إنجاز، بهدف تلطيخ كل شىء بالسواد، وإشاعة اليأس فى النفوس، والتأثير على الروح المعنوية للجبهة الداخلية فى وقت البلد فيه -فى معركة للدفاع وللبناء فى وقت واحد- مهدد.. ومحاط بالألغام والشراك الخداعية، والقنابل الموقوتة ومصادرها ليست مجهولة.. ويحدث ذلك الخلط والتشويش على القضايا المصيرية فى وقت نحتاج فيه إلى الرأى المخلص، والفكر الموضوعى النابع من رغبة حقيقية فى التطوير والتنمية والتحديث والإصلاح، وليس عن الرغبة فى الهدم والتمرد والرفض والمناورة.. ومحاولات استغلال الفرصة، ومن يتابع (بعض) ما يقال فى مجلس الشعب وفى (بعض) أحزاب المعارضة وما ينشر فى (بعض) صحف الإثارة الصغيرة.. و(بعض) ما يقال فى الندوات التى تدور فيها حوارات تدس السم فى العسل بادعاء أنها نوع من التفكير بصوت عال.. ومن يتابع (بعض) ما يحدث فى الساحة السياسية بوجه عام لن يجد صعوبة فى إدراك أن هؤلاء (البعض) هم نماذج (المراهقة السياسية). والحمد لله أن عددهم ليس كبيرا، وتأثيرهم لا يكاد يذكر، ولكن وجودهم مزعج.

لغة الخطاب عند هؤلاء ليست لغة العقل والمنطق.. ولا الإقناع بالحجة والدليل.. ولكنهم يستخدمون خطاب التهييج والإثارة.. ويوجهون الاتهامات الخطيرة ببساطة إلى الجميع دون استثناء ودون دليل.. ويقلبون الحقائق ويخلطون الأوراق.. ويزورون الأرقام التى يستشهدون بها.. ويشككون فى صحة الأرقام الصحيحة.. ويحولون الجناة إلى ضحايا.. والضحايا إلى مجرمين.. ويتلاعبون بمشاعر من يقرأ لهم أو يستمع إليهم.. ويثيرون الانفعالات والغضب على غير أساس..

وهم يفكرون ويعملون وفقا لمبدأ (أنا وبعدى الطوفان)..

ويتحدثون عن الوطنية والنزاهة والإخلاص، وأيديهم ممدودة إلى الخارج، وجيوبهم منتفخة، وأرصدتهم فى بنوك الخارج متضخمة، وعيونهم وقلوبهم متجهة إلى استرضاء من يستوحون منهم المبادئ والحكمة!

وهم يبالغون فى ذكر السلبيات بالحق وبالباطل، ولا يتحدثون إلا عن السلبيات والأخطاء والانحرافات ويجعلون من الحبة قبة.. وإذا لم يجدوها يسهل عليهم اختراعها..

وهم ينكرون أو يتجاهلون كل الإيجابيات.. وإذا اضطروا للحديث عنها فإنهم يقللون من شأنها..

وهم يجعلون من أنفسهم سلطة اتهام لكل من يؤيد فكرة نافعة أو مشروعا ناجحا، أو سياسة بناءة، ولديهم قوائم جاهزة بالاتهامات.. وشعارات جاهزة للمغالطة.. وللإثارة!

وأعراض المراهقة عندهم ظاهرة ومكشوفة.. محاولات طفولية لتأكيد الذات ولسان حالهم يقول: أنا أحسن واحد.. أنا أفهم والجميع لا يفهمون.. وأنا عبقرى مصر الوحيد (!).. وإذا لم ننتبه إلى خطورتهم فيمكن أن ينجحوا فى الانحراف بالمعارضة إلى حالة من التمرد، وكل منهم يدعى أنه شخصية مستقلة ومختلف عن الآخرين،وبعضهم وصل إلى حالة أقرب إلى مرض البارانويا ويتصور أنه الزعيم.. ويستسهل الاعتداء على الآخرين بالقول أو بالفعل لمجرد الشعور بالتفوق والقدرة على التأثير.. ولمجرد العناد والنزعة إلى تحطيم الأشياء.. والمبالغة فى الكراهية.. والرغبة المرضية فى القيام بمغامرات إلى حد الإعلان (خذونى إلى السجن).. وغير ذلك من مظاهر المراهقة التى تظهر كلها أو بعضها فى الشخص الواحد حسب طبيعة شخصيته، وانظر حولك فسوف ترى أكثر من واحد تنطبق عليه كل أو بعض هذه المواصفات!

هذه المراهقة السياسية تكون من مراحل النمو الطبيعية فى الحياة السياسية عندما يكون المجتمع فى حالة تسمح له بتقبل الشطط وتحمل سلوك النرجسية على أمل أن يصل أصحابها إلى مرحلة النضج فيما بعد.. ولكن عندما يكون المجتمع مشغولا بما يحدث حوله ممن يتحفز للانقضاض عليه، فليس لهؤلاء المراهقين السياسيين  مكان فى هذا الوقت..

هذا وقت الرجال الذين وصلوا إلى مرحلة النضج السياسى.

وقت التفكير السياسى الهادئ لحماية الحاضر وبناء المستقبل.

ووقت العمل السياسى بالحكمة.

وهذا وقت الالتفاف حول فكر واحد.. وحكومة واحدة.. وقائد واحد..

وبعد أن تنتهى العاصفة، ونتمكن من إنقاذ المركب بمن فيها، ويعود الهدوء من حولنا، وتزول المخاطر.. فليفعل كل واحد ما يريد..

أعلي الصفحة

أنـا مارى شيمل أعظم من أنصف الإسلام

الإرهاب الإسلامى صناعة أمريكية

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف