السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

أوهام الامبراطورية!

 

الفكر الأمريكى فى هذه الأيام يعكس القلق على مستقبل الامبراطورية الأمريكية، وبعض المفكرين وصل إلى حد التحذير من انهيار النظام الأمريكى، ويبدو أن هذا الفكر المتشائم متأثر بالفشل التاريخى لسياسات الرئيس بوش فى حربه فى العراق وأفغانستان التى لم تحقق شيئا من أهدافها وأهدرت أرواح الأمريكيين والعراقيين ودمرت بلدا بأكمله وتحولت إلى حرب بلا نصر وبلا نهاية، وأضاف الرئيس بوش إلى هذا الفشل التاريخى الفشل فى إدارة اقتصاد بلاده، والفشل فى تحقيق الشعور بالأمن للشعب الأمريكى، والفشل فى الحفاظ على الحريات الشخصية التى كانت أغلى ما يحرص عليه الأمريكيون وأصبح انتهاك هذه الحريات الشخصية مستباحا بالقانون الذى أصدره بوش ويسمح بالتنصت على المكالمات التليفونية والتجسس على المراسلات البريدية والإلكترونية وحتى تفتيش البيوت بدون إذن السلطة القضائية. كل هذا الفشل ولم يتبق من الرئيس بوش فى الحكم سوى 15 شهر لا تكتفى لإصلاح ما أفسده عناده الذى أعماه عن رؤية الحقائق.
البروفيسور مايكل مان فى كتابه (إمبراطورية مفككة) يقول إن سياسة بوش قائمة على القوة العسكرية الأحادية لتحقيق (مشروع إمبريالى)، وقد تكون لدى أمريكا قوة عسكرية مرعبة ولكنها تفتقد إلى الكفاءة فى الإدارة السياسية والاقتصادية، وهذا هو سر عدم التوازن فى السياسة الأمريكية، وكلما اختل التوازن يزداد الرئيس بوش اقتناعا باستخدام القوة أكثر حتى أصبحت الامبراطورية الأمريكية بقيادته امبراطورية عسكرية مسرفة فى العنــف وفى اســتخدام القـــوة، ولم تنجح هذه السياسة إلا فى شىء واحد، هو نشر الإرهاب، وخلق المزيد من الإرهابيين والدول الرافضة للانصياع لقيادة أمريكا.
يقول مايكل مان إن الامبراطوريات تقوم على أربعة أنواع من القوة إذا ضعفت إحداها يؤدى ذلك إلى سقوط الامبراطورية عاجلا أو آجلا. القوة العسكرية، والقوة السياسية، والقوة الاقتصادية، والقوة الأيديولوجية، وفى فترة حكم الرئيس بوش الابن تحولت أمريكا إلى عملاق عسكرى، ومدير اقتصادى محدود القدرة، وقائد سياسى منفصل عن التابعين له، وشبح أيديولوجى. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ما زالت هى المحور المركزى للاقتصاد العالمى، وما لازال الدولار هو عملة الاحتياط الرئيسية فى العالم، مما يعطى لها مزايا مهمة فى الجانب الاقتصادى. إلاّ أن القدرة الفعلية لأمريكا فى استخدام التجارة والمعونات للتأثير على سياسات الدول أصبحت مهددة ولم يعد لأمريكا قوة النفوذ السياسى الذى كان لها قبل وصول بوش إلى الحكم، ويجب ألا يستهين مستشارو بوش بموقف التمرد والرفض فى مجلس الأمن عندما طلبت أمريكا من دول العالم تأييدها فى غزو العراق، فرفض كثير من الدول حتى انجولا، وشيلى، وغينيا، والمكسيك، وباكستان، وحتى بقية الدول التى لم تعلن الرفض صراحة أثبتت أن أمريكا لا يمكن أن تعتمد عليها، وبعض الدول الحليفة اشتعلت بينها العداوة للسياسة الأمريكية، وفقدت الثقافة والقيم الأمريكية الكثير من الجاذبية التى كانت لها من قبل، وعلى الرغم من أن دول العالم تعتنق مبدأ (المجتمع المفتوح) الذى تدعو إليه أمريكا، وتطبق الكثير من المبادئ والسياسات التى تطلب الإدارة الأمريكية تطبيقها فإن الشعوب ترفض ما أصبح معروفا باسم (الامبريالية الثقافية) و(العدوان الأمريكى) و(التدخل الأمريكى فى الشئون الداخلية) وأدت السياسة الأمريكية إلى تقوية تيارات القومية، والتشدد الدينى، وثقافة المقاومة لأى مشروع إمبريالى أمريكى.. والفشل هو المصير الذى تنتهى إليه كل إمبراطورية تقوم على التنمية العسكرية، والنظام العالمى كما تراه الإدارة الأمريكية الحالية لن يتحقق وانفراد أمريكا بقيادة العالم لن يدوم، ومن دلائل الفشل أن الإدارة الحالية حولت العلاقات السياسية الدولية إلى (بزنس) وصفقات وبيع وشراء من ناحية، وإلى استخدام (الصدمة والرعب) عسكريا من ناحية أخرى، وكانت النتيجة أن زادت قوة المقاومة، لأن القوة الأمريكية تمثل (القوة الفجة) وكلما زاد استخدامها زاد تناقصها وتلاشى الشعور بالخوف منها.
ونفس الأفكار تقريبا نجدها عند البروفيسور بيتر كروف أستاذ السياسة بجامعة جورج تاون الأمريكية، فهو يرى أن مشروع الإمبراطورية الأمريكية سوف يفشل لأنه يغفل التطور الذى يحدث فى النظام العالمى تجاه القوة الأمريكية. فأمريكا تنفذ سياسة إمبريالية تجاه الدول الضعيفة، ولكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك مع دول أوروبا، واليابان، والصين، وروسيا، ولا تستطيع أن تستخدم القوة مع هذه الدول أو تهدد باستخدامها، واقتصاديات هذه الدول قادرة على الوقوف على قدميها بدون أمريكا، وبالتالى فإن علاقــة أمريكـــا بهذه الدول لا تعطيها صفة الامبراطورية، وإن كان من الممكن أن تتولى القيادة فى هذه المرحلة إذا كانت قيادتها قيادة ديمقراطية تقوم على التعاون مع هذه الدول وليس على الضغوط والإكراه. وهذا الوضع مختلف عن رؤية المحافظين الجدد الذين يتولون قيادة أمريكا الآن. رؤيتهم قائمة على ممارسة أمريكا للقوة العسكرية الأحادية، ونشر المبادئ والمصالح الأمريكية بالقوة، وهذا ما يجعل القوة الأمريكية تفقد الشرعية وتتحول إلى عدوان، وتظهر أمام العالم على أنها تسعى إلى إدارة مستعمرات فى العراق وأفغانستان كبداية تتبعها مستعمرات أخرى، وتبدو أمريكا أمام العالم وهى تتخلى عن النظام الليبرالى الذى تدعو إليه وتتحول إلى النظام الإمبريالى الذى يضرب بالقانون والأخلاق والمبادئ الأمريكية عرض الحائط.
هذا ما جعل المفكر السياسى الفرنسى إيمانويل تود يعلن أن أمريكا بدأت بالفعل فى الانحدار، وأن نفوذها بدأ يتناقص تدريجيا، وأن العالم بدأ فى الخروج من الهيمنة الأمريكية، وهناك دول أصبحت قادرة على أن تعطى ظهرها لأمريكا، وإن كانت أمريكا قد لعبت وما زالت تلعب دورا محوريا فى الاقتصاد العالمى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإن السنوات الأخيرة شهدت ظهور مراكز جديدة للقوة فى آسيا وأوروبا لها مصالح وقيم مختلفة عن المصالح والقيم الأمريكية، بينما بدأ الضعف والفساد يؤثران فى الاقتصاد الأمريكى، والإدارة الأمريكية الحالية لا تريد أن تتحمل الخسائر وتحاول أن تلقى بهذه الخسائر لكى يتحملها الآخرون، وقد بدأت الديمقراطية الأمريكية فى مرحلة الضعف والتراجع، بينما تجد الديمقراطية أرضا فى دول أخرى، وبعض الدول تستطيع التقدم بدون أمريكا بينما لا تستطيع أمريكا الاحتفاظ بقوتها الاقتصادية والسياسية بدون تبعية دول العالم لها. لأن أمريكا هى أكبر دولة فى العالم يقوم اقتصادها على نهب ثروات الآخرين والسيطرة على أسواقهم، وهى تفرض على الدول الصغيرة نظام (الإتاوة) فى صور مختلفة، والرخاء الذى تعيش فيه أمريكا على حساب تقدم وتنمية دول أخرى عديدة، وفساد الديمقراطية الأمريكية أدى إلى ظهور طبقة حاكمة لا تخضع لرقابة ولا يكبح جماحها قانون، ولا ترى غير القوة وسيلة لفرض إرادتها ومصالحها، وكل ذلك سيؤدى إلى انحلال الإمبراطوريــة الأمريكية بعد فترة قد لا تطول كثيرا.
أليس غريبا أن نجد فى أمريكا وأوروبا من يبشر بنهاية عصر الهيمنة الأمريكية ومرحلة أحادية القطب وبداية توزيع جديد للقوة فى العالم، بينما نجد فى العالم العربى من يدعو العرب إلى الدخول طواعية تحت المظلة الأمريكية وتسليم مفاتيح بلادهم لها بادعاء أن التبعية لأمريكا هى الطريق للنجاة وللرخاء. وقد يكون هناك بديل آخر أفضل، هو إقامة التوازن فى العلاقات العربية الأمريكية.. بحيث تكون علاقات فيها تبادل المصالح والاحترام المتبادل والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعوب العربية.. ولكى تجد أمريكا القبول من الشعوب العربية لابد أن تعترف بأن هذه الشعوب لها حقوق وأولها الحق فى الحرية، والحق فى السيادة على أرضها، والحق فى تحسين معيشتها، والحق فى التمتع بثرواتها ورفض النهـب والهيمنـة.. ورفـض أن تكــون ضمن مناطق النفوذ.
وإذا لم تسلم الإدارة الأمريكية اليوم بهذه الحقوق للشعوب العربية فسوف تسلم بها غدا.. لأن الشعوب العربية نضجت وتعلمت من الحروب والمواقف الأمريكية من هو العدو ومن هو الصديق!

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف