السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

أطفالنا فى الشوارع!

 

لولا الاهتمام الشخصى للرئيس مبارك بالفقراء ومحدودى الدخل لما فكرت الحكومة فى تحسين هؤلاء المواطنين الذين تزداد معاناتهم بسبب سياسة الإصلاح الاقتصادى وقلة فرص العمل والارتفاع العشوائى لأسعار السلع الأساسية.. الخ. الحكومة لم تتحدث عن العدالة الاجتماعية ولم تفعل شيئا لتحقيقها على مدى السنوات الثلاث الماضية- أى منذ بداية عملها- وفجأة تدفقت منها سيول التصريحات والقرارات والاجتماعات ويتسابق السادة الوزراء- خصوصاً رجال الأعمال منهم- بالحديث عن توفير العناية والرعاية للفقراء.. والسر فى هذا التحول الكبير- 180 درجة- توجيهات مشددة من الرئيس مبارك فى الاجتماع الذى دعا إليه مجلس الوزراء لمناقشة هذا الموضوع فى الإسكندرية فى الصيف الماضى. ولولا السيدة سوزان مبارك لما سمع أحد عن أطفال الشوارع وحجم مشكلتهم التى وصلت إلى نقطة الخطر. لولا مشروعها لرعايتهم ومتابعتها لخطوات تنفيذ هذا المشروع متابعة دقيقة، وعدم اعتمادها على التقارير الوردية التى تجيد أجهزة الحكومة والجمعيات إعدادها، لولا هذا الجهد لما أصبح هؤلاء الأطفال- الضحايا- موضوعاً للاهتمام من مراكز البحوث ومن الجمعيات الأهلية.
وأطفال الشوارع هم أبناؤنا، ورعايتهم أو إهمالهم ينعكس على المجتمع كله وعلى الاستقرار السياسى والأمن القومى، مشكلتهم يزداد حجمها سنة بعد سنة. وبيانات مباحث رعاية الأحداث بوزارة الداخلية تدل على زيادة معدلات قضايا التشرد والتسول والنشل والسرقة والتعرض للانحراف، وأرقام وزارة الداخلية لا تمثل الحجم الحقيقى للمشكلة ولكنها تسجل أعداد القضايا التى تصل إلى أجهزة الشرطة والنيابة والمحاكم، ولكن المشكلة مثل جبل الجليد العائم، ما يظهر منه على السطح أقل بكثير مما هو مختف تحت الماء.. الرقم الرسمى للقضايا للأطفال بين 7 سنوات وأقل من 18 سنة كما يلى: قضايا التشرد 9436 قضية، وقضايا التسول 12845 قضية، وقضايا التعرض للانحراف 29869 قضية، أما الأرقام الحقيقية للجرائم التى يرتكبها هؤلاء الصغار- الضحايا الذين أصبحوا مجرمين- فهى مجهولة، والأسر الفقيرة لا تتقدم بالإبلاغ عن اختفاء أطفالها أو هروبهم، وكثيرا ما تكون الأسرة هى التى تدفع أطفالها إلى الشارع للتسول أو النشل أو بيع أشياء تافهة مثل المناديل الورق والنعناع واللبان أو مسح زجاج السيارات عند إشارات المرور.. الخ.
وفى بحث للمركز القومى للبحوث الاجتماعية أعدته الدكتورة مها الكردى أستاذ علم النفس أثبتت أن انتشار الفقر هو السبب الرئيسى لانتشار أطفال الشوارع، ومع الفقر يرتبط الفشل فى التعليم وسوء الحالة الصحية والأخلاقية، وقد تكون حالة عصابة التوربينى نموذجا يحتاج إلى دراسة نفسية واجتماعية من المتخصصين. والتوربينى ليس وحده، ولكنه هو الذى تم اكتشافه ووصلت قضيته إلى المحاكم، ولا أحد يعرف كم توربينى آخر يمارس إجرامه ولم يكتشف بعد.
وسبق أن أجرى الجهاز المركزى للإحصاء استفتاء على أسس علمية تبين منه أن أغلب أطفال الشوارع من أسر مفككة تعيش تحت خط الفقر. وأن هؤلاء الأطفال إما أنهم يساهمون فى تدبير القوت للأسرة، أو أنهم هربوا من الأسرة أو دفعتهم الأسرة إلى الشارع لعجزها عن توفير القوت لهم، وفى دراسة علمية أخرى تبين أن النسبة الأكبر من أطفال الشوارع من الأسر التى ترعاها النساء بعد الطلاق، أو الهجر، أو هرب الزوج أو وفاته، وهؤلاء الأطفال يعيشون فى الشوارع والحدائق والخرابات بلا حماية، وتلاحقهم الشرطة، ولا تكفى الخدمات التى تقدمها بعض الجمعيات الأهلية لرعايتهم جميعا.
وترصد الدكتورة مها الكردى آثار التغيرات التى حدثت فى المجتمع وأدت إلى هبوط شرائح اجتماعية وصعود شرائح أخرى، وتشير إلى آثار عدم توفير الاحتياجات الأساسية للفقراء- وهم الأولى بالرعاية- وأهم هذه الاحتياجات: فرص العمل، والمسكن، والطعام، والتعليم، والعلاج. وتخلص الدكتورة مها إلى أن ذلك أدى إلى اختلال فى موازين العدالة الاجتماعية.. ازداد الأغنياء غنى، وازداد الفقراء فقرا، وتزايدت مشاكل العشوائيات التى انتشرت فى أنحاء البلاد، مع انتشار البطالة وانخفاض مستوى التعليم والرعاية الصحية، وارتفاع الأسعار فوق طاقة الفقراء، وكل ذلك أدى إلى النتيجة الطبيعية وهى الانحرافات والفساد الأخلاقى وتعاطى المخدرات، وانتشار أنواع جديدة من الجرائم لم يعرفها المجتمع من قبل، وهى فى التحليل العلمى أعراض ناتجة عن الأوضاع الاقتصادية.
والمهم فى البحث ما توصل إليه من الآثار النفسية والأخلاقية للظروف التى يعيش فيها هؤلاء الأطفال الضالة، فقد تأكد أن هذه الظروف تفرز شخصيات عدوانية، لا تشعر بالانتماء إلى المجتمع، ولا تقدر على التعامل معاملة سوية مع الآخرين، وماتت فيها المشاعر تجاه الآباء والأمهات والأقارب. تقول الدكتورة مها إن هذه المشكلة هى من نتائج تراجع التنمية البشرية وتراجع برامج حماية الفقراء، وعدم وجود استراتيجية لمعالجة مشاكل الفقر والفقراء وتوظيف قدرات الفئات الاجتماعية الدنيا وبخاصة الأطفال والشباب، ونتيجة لإغلاق أبواب العمل فى الحكومة وعدم استيعاب القطاع الخاص لقطاعات كبيرة من الشباب.
ما العمل؟
يصل البحث إلى أن مواجهة مشكلة أطفال الشوارع هى مسئولية الدولة أولا، ومؤسسات المجتمع المدنى ثانيا، والبداية الصحيحة أن تكون لدينا استراتيجية تلزم جميع أجهزة ومؤسسات الدولة بتنفيذها وتحدد دور النشاط الأهلى ومسئولياته. هذه الاستراتيجية تحدد الأهداف والوسائل والبرامج، وعندما تشرع الحكومة فى تنفيذها بجدية ستجد الحماس يدب فى المجتمع وتمتد الأيدى بالمساعدة، ولكن المشكلة أن الحكومة لديها فلسفة واضحة واستراتيجية للإصلاح الاقتصادى (بصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع هذه الفلسفة وهذه الاستراتيجية) ولكن ليس لديها فلسفة اجتماعية واستراتيجية للإصلاح الاجتماعى يدخل فى إطارها معالجة حقيقية لمشكلة الأطفال الضالة.
المشكلة أن الحكومة ليس لديها بيانات ومعلومات عن هؤلاء الأطفال. الحكومة لا تعرف أعداد هؤلاء الأطفال وظروفهم الأسرية وأماكن معيشتهم، وحالتهم الصحية والتعليمية والنفسية، ولم تحدد كيفية استقطابهم لتحسين ظروفهم، مع ملاحظة أن هؤلاء الأطفال لا يتعاملون- بل ولا يقتربون- من أجهزة الحكومة. ولابد من الاعتراف بأن الخدمات الصحية فى المستشفيات الحكومية أصبحت قريبة من الصفر ولم يعد العلاج المجانى متاحا للمعدمين، والسياسة الجديدة للعلاج فى مستشفيات الحكومة تفترض أن أمثال هؤلاء المشردين يقدرون على دفع رسوم الكشف والإشعات والتحليلات وشراء الأدوية التى ازدادت أسعارها زيادة كبيرة جدا إلى درجة أن الطبقة المتوسطة أصبحت عاجزة عن تدبير تكاليف العلاج وتكتفى غالبا بنصف علاج أو تأجيل العلاج إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا، فإذا كان هذا حال الطبقة المتوسطة فما بالك بالمعدمين؟ وحتى التعليم لم يعد مجانيا بعد زيادة الرسوم والمجموعات الإجبارية والدروس الخصوصية المفروضة على كل التلاميذ دون استثناء، بل إن الدروس الخصوصية أصبحت هى المدارس الموازية!
يطالب البحث بعدم المساس بالدعم الحكومى للسلع الغذائية الأساسية التى يعيش عليها الفقراء ودعم الجمعيات الأهلية التى تعمل فى رعاية أطفال الشوارع بإمدادها بالأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، وتقديم قروض ميسرة- بدون ضمانات وتعقيدات إدارية- لتنفيذ مشروعات صغيرة للأسر المستفيدة بالضمان الاجتماعى، فما يحصل عليه هؤلاء المستفيدون من الضمان الاجتماعى لا يكفيهم لتدبير القوات الضرورى.
وأخيرا فإن تجاهل هذه المشكلة سيؤدى إلى زيادة حجمها وخطرها على المجتمع كله. وأن تهميش الفقراء وأطفالهم خطر على الأمن القومى..
وشكراً للرئيس مبارك لأنه هو الذى يقود العمل لمواجهة مشاكل الفقر. وشكراً للسيدة سوزان مبارك التى تمد يد الرعاية إلى هؤلاء الأطفال.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف