السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

فاروق كان ملكا وليس ملاكاً ( 4 )

 

كريم ثابت شخصية مثيرة كان من أسرة تمصرت بالهجرة من الشام فى أواسط القرن القرن 19. وكان والده رئيسا لتحرير جريدة المقطم الوثيقة الصلة بالسفارة البريطانية وسلطات الاحتلال. وورث عن أبيه رئاسة تحرير المقطم.9 وقد ظهر فجأة سنة 1942 فى مقدمة الحاشية القريبة من الملك فاروق وأصبح مستشارا صحفيا للملك، وهو منصب لم يكن موجودا قبل ذلك وأنشئ لأول مرة من أجله. وكان المستشار الشرقى فى السفارة البريطانية (السير والترسمارت) هو الذى رشحه للملك. وهذا المستشار البريطانى كان له دور خطير فى إدارة شئون البلاد، فهو مستشرق متزوج من ابنة فارس نمر صاحب جريدة المقطم، وكان والد كريم ثابت ابن اخت فارس نمر، وبهذا المثلث (السيد والترسمارت وفارس نمر وكريم ثابت) الذى تربطه علاقات القرابة والنسب كانت جريدة المقطم هى الجريدة المعبرة عن السياسة البريطانية فى مصر أيام السفير البريطانى اللورد كرومر الحاكم الفعلى لمصر فى ذلك الوقت واستمرت كذلك بعد رحيل اللورد كرومر.
وفى مقدمة مذكرات كريم ثابت التى نشرتها دار الشروق فى جزءين يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل إن الملك استلطف كريم ثابت فتحقق له النفوذ الذى جعله يؤثر على الحياة السياسية فى مصر إلى حد أن وضع ما أسماه (السياسة الجديدة) للبلاد واستطاع إقناع الملك بها، وإلى حد أن الملك كان يوصله بسيارته الخاصة إلى بيته بعد أن تنتهى سهرتهما! بل وكان الملك يمر عليه بسيارته ليذهبا معا إلى السهرة! ويقول كريم ثابت: أصبح الملك لا يخرج من قصره بصفة غير رسمية بدون أن يستصحبنى معه أو أن أقابله فى الجهة التى يقصد إليها وفى المأدبة التى يقيمها يدعون إلى الانتقال للجلوس إلى جانبه.
لاحظ كريم ثابت عندما دخل مكتب الملك أن عليه لوحة مكتوبا عليها باللغة الفرنسية (الصبر) وهذه اللوحة وضعها الملك فؤاد وهى ملحوظة عابرة لكنها تشير إلى جو القصر وهو جو ليس فيه الروح المصرية.
ويضيف كريم ثابت الملك فاروق بأنه كان بفطرته يميل إلى تصديق الوشايات وأخبار السوء وهو يقول ذلك بعد عشر سنوات من مصاحبة الملك ليل نهار.. وهذا يكشف لنا عن جانب مهم من شخصية الملك الذى كان يحكم مصر بالدسائس والوشايات ومؤامرات الحاشية والشماشرجية!
ويحكى كريم ثابت عن أول مرة زاره الملك فى بيته فقد استوقفت نظره مائدة سوداء نادرة موشاة برسوم من خيوط النحاس فقال له إنه يجمع هذا الطراز من الموائد لأنها من عهد جده الخديو إسماعيل وإنه يسره جدا أن يضم هذه المائدة إلى مجموعته، ثم أخذ يقلب زهرية من البللور الأحمر من صنع مصنع جاليه الشهير بفرنسا فقال له إنه يجمع كل ما يجده من صنع جاليه، وأخذ المائدة والفازة طبعا ونقلهما إلى قصر عابدين.
ويحكى أيضا أن الملك حسين كان يزوره فجأة وعلى حين غفلة كان يستقبله بالبيجامة والروب ويعتذر له عن ظهوره أمامه بهذه الصورة ويبدى استعداده لارتداء ملابسه على الفور فيأبى عليه ذلك. وقد يستلقى على سريره بينما يكون كريم ثابت جالسا على المقعد المقابل له تماما كما يتصرف صديقان لا كلفة بينهما! وأعجبت الملك (لبيسة أحذية) من العاج وقبعتها على هيئة فيل صغير فأخذها.. وابتداء من ديسمبر 1943 وبعد حادث القصاصين أصبح كريم ثابت يلتقى بالملك فى جناحه الخاص.
وكان فاروق ينتقل بين القصور الملكية فى القاهرة والإسكندرية والقصور الخاصة الأخرى ومن بينها قصر الطاهرة الذى ضم إليه فيلا كان يملكها المسيو جاتيفيو صاحب محل الموبيليا الشهير فى القاهرة، واعتاد الملك أن يلتقى فى هذه الفيلا بصديقاته وخليلاته كما يقول كريم ثابت الذى كان يلازم الملك وكانت له حجرة قريبة من الملك فى كل قصر! كما كان الملك يستقبل خليلاته فى استراحة الهرم التى بناها الخديو إسماعيل وقيل إنه بناها ليستقبل فيها الإمبراطورة أوجيى زوجة نابليون الثالث ثم هدمها فاروق وأقام مكانها استراحة فاخرة على الطراز الفرعونى، وكذلك فعل فى استراحة رأس الحكمة، واستراحة أخرى معزولة تماما عن العمران فى قلب الصحراء فى منطقة اسمها (وادى الرشراش) الطريق إليها من حلوان إلى الصف ثم إلى طريق صحراوى غير معبَّد، وحول الاستراحة مبنى للخدم وآخر للحرس وثالث للمطبخ والمخزن ومولد الكهرباء.
<u>كيف يقضى يومه؟</u/>
يقول كريم ثابت إن فاروق كان يسهر الليل ولا ينام إلا عند الفجر، وكان يقضى الليالى فى سهرات فى البارات والأندية الليلية وفى لعب القمار، وإذا لم يكن مرتبطا بموعد احتفال أو استقبال فإنه يستيقظ عند الظهر أو بعد الظهر، وكانت تعليماته ألا يوقظه أحد إلا لأمر خطير. وكان يقوم على خدمته الخصوصية ثلاثة (شماشرجية) يتناوبون الخدمة وأشهرهم محمد حسن، وكان له حلاق مصرى اسمه (حسنين الباشا) وحلاق آخر إيطالى (بترو) يتناوبان العمل على مدى 24 ساعة، بالإضافة إلى (التشريفاتية) الذين يتناوبون العمل على مدار الساعة أيضا، ولم يكن أحد يعلم أن الشماشرجى هو الذى يدير المكتب الخاص للملك الذى تصدر منه المكاتبات المختومة بخاتم (المكتب الخاص لجلالة الملك) وعند هذا الشماشرجى كانت تتجمع (البوستة) المرفوعة على الملك من الديوان الملكى ومن الحكومة، والإشارات التليفونية لإبلاغها للملك إما للعلم وإما لتلقى (توجيهات جلالته).. كل أسرار الدولة كانت تصل إلى الشماشرجى فيضعها فى حقيبة كبيرة (أو حقيبتين)، ويضع مفتاح الحقيبة فى ظرف مختوم بالشمع الأحمر ويضع الحقيبة أمام الملك فى الجناح الخاص عندما يستيقظ، أما الإشارات التليفونية فكانت للأمور العاجلة ولا يطلع عليها الملك إلا بعد الظهر، وكل هذه الأسرار كانت فى النهاية فى يد الشماشرجى، فالشماشرجى هو الذى يتولى عرض أمور الدولة على (جلالة الملك) وهو الذى يبلغ (توجيهات جلالته) للمسئولين فى القصر فى الحكومة وإذا أراد الملك أن يؤثر بملاحظات أو تعليمات على الأوراق المعروضة عليه فإنه يترك للشماشرجى مهمة صياغتها وكتابتها على المذكرة المرفوعة إليه.
كان الملك فاروق يقرأ العربية قراءة تمكنه من معرفة مضمون الأوراق الرسمية لأنها مكتوبة بلغة سهلة أما أقوال الصحف من أخبار ومقالات فكان يقرأ ملخصا لها باللغة الفرنسية لأن معرفته باللغة العربية الفصحى متواضعة، ويضيف كريم ثابت إن حياة فاروق الخاصة كانت فوضى، فلم تكن له مواعيد للغداء لذلك كان الطباخون والسفرجية فى حالة استعداد من الساعة الثانية بعد الظهر حتى آخر الليل. وفى أحيان كثيرة كان يتناول عشاءه فى الخارج أثناء السهرة. ولم يكن يفرق بين ساعات النهار وساعات الليل، ويضيف كريم ثابت الذى لازم الملك فاروق عشر سنوات فى معظم أوقاته ليلا ونهارا: إن شهوته فى التسلط كانت جزءا من نشأته والحياة التى ألفها من حداثته فى بيئة الخدم الذين كانوا يتظاهرون بالرضا والسعادة عن كل ما يفعله بهم مهما بلغ بهم الأذى ومجافاة الطبائع السليمة.
<u>تناقضات فى شخصيته</u/>
ودليلا على التناقضات فى شخصية الملك فاروق يحكى كريم ثابت أن الملك لمح سيدة مسلمة متزوجة وبيدها شريحة من لحم الخنزير فاستشاط غضبا وأنبها بصوت مسموع لأنها تأكل اللحم المحرم شرعا، وأخفى الموجودون على المائدة ابتساماتهم لأنهم يعلمون أن تلك السيدة كانت إحدى خليلاته فى ذلك الوقت، وكان فاروق لا يخفى أخص شئونه الغرامية عن المقربين منه.
وكان فاروق يقتنى مئات من الساعات والولاعات ومشابك الكرافتة ومحافظ الجيب من كل حجم وكل طراز، من ذهب، وذهب محلى بأحجار كريمة، ومن ذهب بلاتين، ومن فضة مزخرفة، ومن ساعات أثرية تاريخية، وكانت محفوظة فى حقائق علب صنعت خصيصا لحفظها وعليها (أمين) أى موظف مسئول عنها، ولكل منها رقم ومسجلة فى السجل الخاص مع وصف كل منها. ومن هذه المقتنيات أيضا مجموعات من النقود القديمة النادرة وطوابع البريد، وكان الأمين عليها رجل إيطالى اسمه (جارو) كان حلاق الملك فؤاد منذ كان وليا للعهد ثم عين له مساعدا شابا اسمه (بترو) أصبح فيما بعد أحد حلاقى الملك. هذا بالإضافة على مجموعات من الأكواب والكئوس والأطباق والشوك والسكاكين والملاعق من الذهب الخالص أو من الذهب المحلى بالماس والأحجار الثمينة ومجموعات من المسابح المرصعة بالأحجار الكريمة، و(الظروف) الذهب التى توضع فيها فناجين القهوة والشاى. وكانت عند تجار المجوهرات والعاديات فى مصر تعليمات إذا وقعت فى أيديهم حلية أو ساعة أو تحفة ثمينة أن يبادروا إلى إبلاغ القصر عنها ليكون الملك أول من يفوز بشرائها. وكذلك كان يفعل ذلك تجار المجوهرات الأجانب وكانت أشهر محال المجوهرات والعاديات فى أوروبا وأمريكا ترسل إلى القصر نشرات مصورة عما لديها من نفائس فإذا راقه شىء منها أرسل فى طلبه.
ويقول كريم ثابت إن الملك فاروق كان مولعا بالقمار يمضى ليله حول الموائد الخضراء بعد نهار نصفه فى الفراش وكان يأكل بشراهة حتى أن وزنه بشهادة أحمد النقيب باشا الطبيب الخاص للملك- كان بين 130 و140 كيلو. ويتحدث كريم ثابت عن حياة فاروق فى الصيف الذى يقضيه فى الإسكندرية فيقول إن الملك كان يقضى أياما فى استراحة خاصة بالقرب من قصر رأس التين فينام ويستيقظ بالمايوه ويقضى يومه كله بالمايوه وهو حافى القدمين ويأتى إليه الشماشرجى النوبتجى بالبوستة المرفوعة إلى الديوان الملكى والإشارات والتبليغات من مؤسسات الدولة فينظرها فى حجرة الطعام وهو بالمايوه وحافى القدمين. وكان يقود سيارته بنفسه بسرعة جنونية فى تنقلاته ورحلاته غير الرسمية وحدثت له حوادث لم يعرف بها الناس سوى أشهرها وهو حادث تصادمه بسيارة نقل عسكرية بريطانية عند القصاصين بالقرب من الإسماعيلية فى نوفمبر 1943 وقد مكث بسببها فى المستشفى العسكرى البريطانى فى صحراء القصاصين قبل أن يقدر على العودة إلى القاهرة، ولولا أن سيارته المرسيدس التى أهداها إليه هتلر كانت قوية جدا للقى حتفه حتما فى ذلك الحادث، ومع ذلك ما كاد يسترد عافيته حتى نسى ما تعرض له من خطر وعاد سيرته الأولى وظل يقود سيارته قيادة خطرة ويسعده أن يصرخ من معه.
هذا بعض ما لم يذكره المسلسل التليفزيونى عن الملك فاروق ويمثل الجانب الحقيقى لشخصيته وكان يجب أن يشير إليه لتكتمل الصورة.. والبقية تأتى.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف