السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

وحدة الموقف العربى طوق النجاة

سار فى جنازة أنّا مارى شيمل يوم الثلاثاء الماضى (4 فبراير 2003) عدد كبير من المسلمين، كان فى مقدمتهم الدكتور محمد زكى اليمانى وزير البترول السعودى الأسبق ومعه مجموعة من المفكرين جاءوا من أنحاء العالم الإسلامى ليعبّروا عن تقديرهم لنزاهة وموضوعية هذه المستشرقة العظيمة التى تفرغت لأكثر من نصف قرن فى إعداد الدارسات الأكاديمية، والكتابة فى المجلات العلمية، وإلقاء المحاضرات فى أنحاء أوربا وأمريكا لتقديم الإسلام للغرب بما يستحقه من الاحترام.

فى كل زيارة لها إلى القاهرة كانت تؤكد: إن شغفى الأكبر بالحضارة الإسلامية بدأ منذ طفولتى ويزداد عمقا كلما تعمقت فى دراسة التراث الفكرى والشعرى والصوفى، وهذه الثروة الروحية والعلمية الهائلة التى تركها شيوخ وعلماء الإسلام.

وحين زارت مجلة أكتوبر كان حديثها يدور حول الظلم الذى يتعرض له الإسلام على يد من لم يحسنوا دراسته، فالإسلام- كما استخلصت من دراساتها- دين يحترم الحرية الدينية والفكرية، والكرامة الإنسانية، ويدعو إلى العمل وإعمار الكون، كما يدعو المسلمين إلى أن يعيشوا الحياة ولا ينعزلوا عنها، ويعملوا لدنياهم كأنهم يعيشون إلى الأبد، ويعملوا فى نفس الوقت لآخرتهم كأنهم سوف يموتون غدا، وهذه هى قمة الحكمة على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم.. وقالت إن الإسلام يحترم المرأة- على عكس ما يردده البعض- ويكفى قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) إن الجنة تحت أقدام الأمهات، وكل امرأة هى أم أو ستكون أما! وقالت أيضا: إن الإسلام برىء من الإرهاب على النحو الذى يحاول به البعض الربط بين الإسلام والإرهاب والادعاء بأن فى الإسلام دعوة لإرهاب الآخرين.

وقالت أيضا: لقد بدأ اهتمامى بالإسلام وبالشرق وثقافته عندما قرأت حديثا نبويا يقول: (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا) ولم أكن أعرف أنه حديث نبوى، فتعلمت اللغة العربية.. وقد عملت أستاذا فى جـامعة بون، وأنقرة فى تركيا، ولاهور فى الهند، ثم فى جامعة هارفارد الأمريكية، ولكننى فى أمريكا لم أشعر بالأُلفة، ولذلك كنت دائماً أعتبر فترة إقامتى فى أمريكا غربة غريبة كما يقول الصوفية، أما فى بلاد الشرق فإننى أشعر دائماً بالراحة النفسية وأجد فيها نوعا من السمو الروحى لا يعرفه إلا من يمتلئ قلبه بحب الشرق.

وإجابة عن سؤال عن رأيها فى الإٍسلام قالت بوضوح: إننى أحب الإسلام، ولولا أننى أحبه ما كتبت عنه أكثر من ثمانين كتابا، وقد وجدت فيه دين تسامح، وروحانية وتوقفت كثيرا عند كلمات القرآن: (لا إكراه فى الدين..). وقد قلت لمن وجهوا إلىّ النقد: إنى أحب الرسول محمدا، وعندما سألونى عن رأيى فى غضب المسلمين بسبب رواية سلمان رشدى: آيات شيطانية قلت: لقد جرح سلمان رشدى مشاعر المسلمين. وتعرضت بسبب كلماتى هذه إلى حملة اضطهاد شديدة، ولولا أن الرئيس الألمانى الدكتور هرتزوج كان يساندنى لكانت الذئاب قد افترستنى، ولكننى مع ذلك قضيت فى هذه المحنة ستة شهور.

وفى كل مرة كانت تزور فيها القاهرة كانت تذهب لزيارة قبر القطب الصوفى الكبير ابن عطاء الله السكندرى فى المقطم.. ولأنها أقامت سنوات فى تركيا وظلت بعد ذلك كثيرة التردد عليها، فقد زارت قبر جلال الدين الرومى مائة مرة كما تقول لأنها أحبت شِعره الصوفى ووجدت فيه نداءات استجابت لها روحيا.

ولشدة إعجاب المثقفين فى باكستان بها أطلقوا اسمها على شارع فى مدينة لاهور.

***

وفى رأيها أن التشهير بالإسلام والمسلمين فى الغرب قضية لها جذور وعمق تاريخى، ويمكن فهم الأسباب من كلمات (جلاد ستون) الزعيم السياسى البريطانى المعروف التى قال فيها: (لن تستطيع أوربا أن تسيطر على دول الشرق، بل لن تستطيع أن تعيش فى مأمن ما بقى هذا القرآن حيا يتلى)، وقد ظل هذا الموقف يتصاعد عبر الزمان إلى أن تبلور على يد المفكر الاستراتيجى الأمريكى صمويل هنتنجتون فى نظرية صدام الحضارات، ولكن يجب ألا ننسى أن هناك كتابات أخرى تعبر عن الاحترام للإسلام، فالفيلسوف الألمانى (شبنجلر) فى كتابه (أفول الغرب) قال إن حضارة الإسلام حضارة جديدة أوشكت على الظهور فى أروع صورة، والإسلام يملك اليوم أقوى قوة روحانية عالمية نقية.. والحقيقة كما قال (جاردنر): (إن القوة التى تكمن فى الإسلام هى التى تخيف الغرب) وكذلك نجد مفكرا كبيرا مثل (بول ديورانت) يقول: (إذا حكمنا على العظمة بما كان للرجل العظيم من أثر فى الناس، فلابد أن نقول إن محمدا كان أعظم عظماء التاريخ).. ثم تقول: المشكلة تكمن فى أن المسلمين مقصرون فى حق أنفسهم، ولا يعرفون كيف يقدمون للعالم أنفسهم، وتاريخهم، وعقائدهم، وسياساتهم.. المسلمون لا يستخدمون وسائل الإعلام كما ينبغى.. ولا يجيدون فنون الدعاية والإقناع.. ولا يدرسون ما فى الغرب من تيارات فكرية وسياسية واستراتيجية واقتصادية.. وأعتقد أن العولمة تمثل أحد المفاهيم الاستعمارية المخادعة.. وأرى أن على المسلمين أن ينهضوا، ويقدموا أنفسهم للعالم من جديد.

***

وفى حوار معها قالت إن مشكلة العالم الإسلامى أنه لا يزال جامدا، وواقفا عند النقطة التى كان عليها منذ قرون لم يتحرك، ولم يتطور، ولم يساير حركة التاريخ، ولذلك أصبح المسلمون كيانا كبيرا من حيث العدد، ولكنهم ليسوا كيانا سياسيا، وليسوا تكتلا اقتصاديا، ولم يستطيعوا التوحد، ولذلك فإن كلامهم كثير وأفعالهم قليلة.. وأصواتهم عالية بدون تأثير.. وهذا معناه أن المسلمين حكموا على أنفسهم بالاغتراب.

وفى محاضرة لها فى مكتبة مبارك فى القاهرة قالت: إن الذى يجب أن يعرفه المسلمون أن الاستشراق ليس عدوا للإٍسلام، ولكنه وسيلة جيدة لتعلم منهج وعقيدة الإسلام، ولذلك حين سألونى فى الخرطوم: هل أنتِ مستشرقة؟ قلت: نعم.. أنا مستشرقة.. وأفخر بذلك.. فالاستشراق نافذة للتفاهم بين الأديان والحضارات والثقافات. والإسلام عندى دين عميق فيه التوكل على الله، وفيه الخصوصية الروحية، وأنا دائماً أضع أمامى عبارة المؤرخ (ديكنز) فى كتابه (معالم تاريخ الإنسانية) التى قال فيها: (إن الإسلام ساد لأنه خير نظام اجتماعى وسياسى ظهر فى التاريخ).

وقالت أيضا: إننى أدعو المسلمين إلى إنشاء أقسام لدراسة الغرب دراسة متخصصة بما فيه من عقائد، وأفكار، وثقافات، وتاريخ قديم وحديث، وما يظهر فى الغرب من تيارات معاصرة، وبذلك يصبح لدى المسلمين أدوات الفهم للغرب، والقدرة على التعامل معه وعلى المواجهة أيضا، وأيضا القدرة على المقاومة لحماية أنفسهم من أن تسحقهم موجات التغريب التى تكتسح دول العالم، خاصة مع سيطرة الغرب بما لديه من تقدم تكنولوجى.

لقد أنفقت أنّا مارى شيمل عمرها فى دراسة الفكر والتصوف الإسلامى، ومقارنة الأديان، وترجمة النصوص والأشعار الإسلامية.. ولذلك فإنها تعتبرفى ألمانيا وغيرها من الدول والمؤسسات الدولية (مرآة الإسلام وسفيرة الإسلام فى الغرب).. وقد أعلنت أكثر من مرة: أنا أحب الإسلام كثيرا، وسأظل أدافع عنه حتى وفاتى، مهما كانت هناك مقاومة عنيفة من جانب الغرب ضد الإسلام.. ومع ذلك أجتهد.. وأجاهد.!

***

أنّا مارى شيمل لم تتزوج.

سئلت: ما ديانتك؟ فأجابت: الله أعلم.!

فى عام 1992 أقيم احتفال كبير فى ألمانيا لتكريمها باعتبارها صاحبة مدرسة فى الاستشراق ودراسة الإسلام  وبمناسبة بلوغها سن السبعين، وألقى تلميذها البروفيسور يوحنا كريستوف بيرجل محاضرة عنها أصدرها بعد ذلك فى كتاب بعنوان (إن الله جميل يحب الجمال).

قال فيه: إنها دائماً تكرر ملاحظتها عن عدم اهتمام الدول العربية بدرجة كافية بما فى الدول الإسلامية غير العربية من مذاهب وأفكار وتيارات إسلامية، ولذلك تخلو المكتبة العربية من المراجع المتخصصة فى الآداب الإسلامية فى إيران، والهند، وباكستان، وتركيا، وإندونيسيا وغيرها، فهل هناك خصام بين الدول العربية وهذه الشعور الإسلامية يحول دون ترجمة آثار هذه الشعوب وآدابها إلى اللغة العربية، بينما يهتم بها المستشرقون، ولهم السبق فى اكتشاف هذه الآداب الإسلامية وترجمتها إلى اللغات الأوربية، بينما ما زالت هذه الآداب مجهولة تقريبا للمثقف العربى؟!

وتقول إن عظمة الإسلام تظهر فى قبوله لكل الأديان السماوية، وهى معجبة بأبيات الشعر التى قال فيها الصوفى الكبير محيى الدين بن عربى:

لقد صار قلبى قـابلاً كل صـورة

                                            فمرعى لغـزلان، ودير لرهبان

وبيت لأوثـان، وكعبـة طائـف

                                           وألـواح توراة، ومصحف قـرآن

أدين بدين الحب أنّى توجهت

                                          ركائبـه، فالحب دينى وإيمانى

وتقول: هذا الكلام قمة التسامح، وتعبير عن القلب الإسلامى الكبير الذى لا يضيق بأى إنسان.. ولا يعادى إنسانا بسبب عقيدته.. ويتعامل مع الإنسان على أنه إنسان.. ويفتح قلبه لكل إنسان دون تفرقة بسبب العقيدة أيا كانت.. ولم أجد فى كل ما قرأت مثل هذه الدرجة من التسامح ومحبة الإنسانية..

***

وأنّا مارى شيمل لها تلميذ مصرى مفتون بها.. ترجم بعض أعمالها.. وكان مرتبطا بها.. هو الدكتور ثابت عيد الباحث فى إحدى جامعات سويسرا وكثيرا ما كان يسافر إلى ألمانيا لكى يلتقى بها.. وقد ترجم عن الألمانية مقال تلميذها المستشرق الألمانى يوحنا كريستوف بيرجل عن حياتها وأعمالها، ويحكى بيرجل كيف بدأت علاقته بها، فيقول: تعرفت عليها فى شتاء 1956 فى أنقرة، وكنت قد ذهبت إلى تركيا كطالب شاب بمنحة تبادل ثقافى، وكانت هى تدرّس هناك باللغة التركية -فى كلية أصول الدين- تاريخ الأديان المقارن، والفن الإسلامى، فأصبحت أحد أفراد المجموعة التى تتلمذت على يديها، وكان بعض كبار المستشرقين الألمان ينظرون إليها فى ذلك الوقت على أنها فتاة حالمة، مفتونة بالشرق الإسلامى، ولو كانوا استمعوا مثلى إلى محاضراتها وقرأوا إنتاجها الغزير باللغة التركية لكانت هذه الغطرسة قد تبددت على الفور، لكن كبار المستشرقين الألمان لم يكونوا على علم باللغة التركية، وعندما صدر كتابها (مقدمة فى تاريخ الأديان المقارن) وكتاب (سيرة الصوفى ابن الخفيف الشيرازى) فى عام 1955 أثبتت بهما أنها عالمة كبيرة، وأعلنت حبها للإســـلام وللتصوف الإسلامى، ودائما كـانت تقـــول: (لا أستطيع أن أبحث فى موضوع لا أحبه، فالحب عندى شرط أساسى للبحث العلمى فى أى موضوع، وكل موضوع أحبه يثمر عملا مكتوبا).

ويقول تلميذها بيرجل: كانت شيمل تحب القطط، وكنا نراها عندما نغادر الجامعة فى تركيا بعد انتهاء المحاضرة تنحنى على الأرض لترفع إحدى القطط وتضمها إلى صدرها، وبعد سنوات نشرت كتابا بعنوان (القطة الشرقية) صدرت طبعته الأولى سنة 1983 والثانية سنة 1989..

وكان التشوق إلى الله يملأ قلبها، وهذا ما جعلها تتعلق بالشاعر الصوفى التركى جلال الدين الرومى مؤسس الطريقة المعروفة باسم (الدراويش) فى مدينة قونيا بتركيا، وفى هذه المدينة كانت تتجه إلى قبر جلال الدين الرومى، وقد تحول إلى متحف يسوده الهدوء وتقضى فيه أوقاتا طويلة خاشعة تتأمل، واهتمت أيضا بدراسة الإسلام فى باكستان والهند، وركزت أبحاثها حول الإسلام فى هذه المنطقة فترة استمرت 25 عاما كانت خلالها أستاذة كرسى لمادة (الإسلام فى الهند) فى جامعتى هارفارد وماشوستس، وظلت تقول طوال حياتها إنها شعرت فى أمريكا بالغربة الغريبة، بينما وجدت الراحة فى الشرق (موطن الروح والنور).

وهى حاصلة على عشرات الأوسمة والجوائز العلمية من مختلف أنحاء العالم.. من ألمانيا.. والولايات المتحدة.. وتركيا.. وإيران.. وباكستان.. ولقيت التكريم من الجامعات ومراكز الأبحاث ومن الدول أيضا.. ففى سنة 1965 حصلت على وسام نجم القائد الأعظم أكبر وسام فى باكستان، وفى سنة 1983 منحتها الحكومة الباكستانية وسام هلال الامتياز، وفى سنة 1989 حصلت على نوط الاستحقاق الكبير من الحكومة الألمانية، وفى سنة 1993 حصلت على ميدالية جامعة تيينجن تقديرا لأعمالها التى تدعم الفهم الصحيح للأديان، وفى سنة 1995 حصلت على جائزة السلام أكبر جائزة فى ألمانيا، وحصلت على أكثر من عشرين شهادة دكتوراه فخرية، وفى سنة 1982 أطلق اسمها على شارع فى مدينة لاهور فى باكستان، وفى سنة 72 أصدرت مجلة (فكر وفن) الثقافية باللغتين العربية والألمانية، وأصبحت رئيسا للجمعية الدولية لعلم الأديان المقارن من سنة 1980 حتى سنة 1990، وكانت رئيسا للمنتدى الألمانى- الباكستانى، ورئيسا لجمعية إقبال فى أوربا، وعضوا فخريا فى الجمعية الألمانية الشرقية، والجمعية الأمريكية لدراسات الشرق الأوسط، والجمعية الأوربية للدراسات الإيرانية..

***

وفى حديث لها مع  الدكتور ثابت عيد نشر فى (أكتوبر) فى عدد 10 مارس 1996 أكدت أنّا مارى شيمل استنكارها لسلوك الغرب تجاه الإسلام، ووجهت إنذارا شديد اللهجة إلى أعداء الإسلام، لأنهم على باطل، قالت فيه: إن الفكرة السائدة فى الغرب بأن الإسلام يعادى المرأة فكرة خاطئة، بل إن فى الغرب مفكرين يقولون إن المرأة فى الإسلام كائن بلا روح، ولكى نعرف كذب هذا الادعاء نعود إلى القرآن الكريم، وسوف نرى أنه يساوى بين الذكر والأنثى، وبين المؤمنين والمؤمنات، ولم يفرق بينهما فى مجال الفرائض الدينية، وإذا قيل إن للمرأة نصف نصيب الرجل فى الميراث فإن ذلك لسبب عملى، فالمرأة حين تتزوج تحصل على مهر مناسب، والزوج هو المسئول شرعا عن الإنفاق عليها، وهكذا تظهر العدالة فى توزيع الأعباء والمسئوليات وفى النهاية سنجد أن المرأة هى الرابحة، كذلك ما يقال عن تعدد الزوجات فى الإسلام، فالقرآن يعطى رخصة (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) (النساء- 3) نجد أولا أن التعدد ليس واجبا أو فرضا ولكنه رخصة أو إذن مشروط بشرط العدل، ومجرد الخوف من عدم القدرة على تحقيق العدل يعنى عدم السماح بالتعدد، ومن الناحية العملية فإن وجود سيدات أرامل كثيرات فى الحروب سبب يجعل التعدد لصالح المرأة ولحمايتها، ويجب أن نعلم أن الرجل فى الجاهلية كان يحق له الزواج بعدد غير محدود من النساء، فجاء الإسلام وحدد العدد وجعل لهذا التعدد شرطا لازما وهو العدل، مما جعل بعض رجال الإصلاح فى الفقه يقولون إن الزوجة الواحدة أفضل من الناحية الشرعية، لأن الرجل يصعب عليه أن يحقق العدل فى مشاعره بين زوجاته.

أما عزل المرأة المسلمة وتحريم مشاركتها للرجال فى المجالس، فتقول إن ذلك ليس من الشريعة، ولكنه حدث نتيجة تطورات اجتماعية وسياسية، ولن نجد آية فى القرآن تفرض على المرأة الانعزال عن المجتمع، أو إبعادها عن أنشطة الحياة، وما حدث من فرض العزلة على المرأة جاء نتيجة أفكار لا وجود لها فى القرآن، ونتيجة التفسير الشعبى الساذج للقرآن، والتفسير المتأثر بالأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية فى مجتمع من المجتمعات الإسلامية، أو نتيجة جمود العادات وتأثير حضارات أخرى غير إسلامية على بعض مجتمعات المسلمين. ففى الهند مثلا، وتحت تأثير الهندوسية لم يكن مسموحا للأرملة المسلمة بأن تتزوج مرة أخرى، وهذه ليست من أحكام الإسلام ولكنها من التعاليم الهندوسية، ولذلك بدأ مسلمو الهند فى محاربة مثل هذه التأثيرات الغريبة عن الإسلام، وهكذا يجب أن ننظر إلى كثير من الأمور من منظور اجتماعى وتاريخى.

وقالت: إننى أقول دائما للغربيين الذين يشوهون صورة الإسلام إن الإسلام منح المرأة حق الاحتفاظ باسمها، وبما تملكه من مال قبل زواجها، وبما تكسبه بعد الزواج، وهذا يتضمن حق المرأة فى أن تعمل وتكسب من أية مهنة أو تجارة، والمرأة فى أوربا لم تتوصل إلا منذ فترة قريبة إلى حق الاحتفاظ بما تملكه من مال بعد زواجها.

وتقول: إننى كمؤرخة للأديان أقف بإعجاب عند الآية 187 من سورة البقرة التى تحدد العلاقة بين الرجل والمرأة فى إطار الزواج: (هن لباس لكم، وأنتم لباس لهن) واللباس يعنى الذات الأخرى، أو النفس الأخرى، وبذلك يكون معنى الآية أن الرجل والمرأة يكمل كل منهما الآخر، وأن كلا منهما هو النصف الأفضل للآخر، وأعتقد أنه يجب تسليط الضوء على هذه الآية عند الحديث عن مكانة المرأة فى الإسلام، لأن هذه الآية تساوى بين الرجل والمرأة بما لا يدع مجالا للشك.

***

وتقول إن ما يقال فى الغرب من أن العقيدة الإسلامية عقيدة منحرفة، اتهام باطل وجهه مسيحيو  القرون الوسطى إلى الإسلام، ومسيحيو القرون الوسطى اعتبروا الإسلام هرطقة مسيحية، بل إن بعض الأساطير فى القرون الوسطى تقول إن محمدا (صلى الله عليه وسلم) كاردينال مسيحى استاء لعدم اختياره بابا، فقام بالانفصال عن الكنيسة، وأسّس لنفسه ديانة جديدة، وقد أثارت مثل هذه الكتابات الفزع من الإسلام والرسول فى نفوس المسيحيين العاديين فى الغرب، لأنهم اعتقدوا أنه ليس من الممكن أن تظهر ديانة سماوية أخرى بعد المسيحية، وهذا الرأى ما زال شائعا فى الكثير من الأوساط المسيحية حتى يومنا هذا. ومن المؤسف أن مثل هذه الأفكار الخاطئة تبقى إلى وقت طويل فى ذاكرة الأفراد، وفى (الوعى الجماعى) و(اللاشعور الجماعى) فى الغرب، ويمكن إحياؤها فى أى وقت.

***

هل انتشر الإسلام بحد السيف؟.. وهل الإسلام دين عنف؟

تقول: هذا ادعاء شائع فى الغرب، ويتجاهل القائلون به حقيقة ثابتة، هى أن جميع الديانات استخدمت الحديد والنار فى حروبها الدينية، بما فى ذلك المسيحية، والفتوحات الإسلامية تمت لأسباب ودوافع سياسية بحتة، ولم تحدث لنشر ديانة الإسلام، وعلى سبيل المثال فإن القائد الإسلامى الكبير تيمور (توفى سنة 1405) دمر دولة المسلمين من الترك والفرس والعرب، ولم يفعل ذلك لنشر الإسلام، لأن الذين حاربهم كانوا مسلمين، ولكنه حارب لأسباب سياسية، من أجل تدعيم سلطته. ومثل هذه الأحداث، وخاصة فتوحات تيمور كان لها أثر كبير فى أوربا، وساهمت فى تعميق وتثبيت فكرة العنف فى الإسلام. مع أن الإسلام لم ينتشر بحد السيف فى شبه القارة الهندية، وماليزيا، وغرب أفريقيا، بل انتشر عن طريق الصوفيين الذين قدموا العقيدة الإسلامية بطريقة بسيطة لهذه الشعوب.

وعلى العموم فالحديث طويل، وعميق، ومهم جدا، وأتمنى أن تهتم وزارة الأوقاف، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وجامعة الأزهر بالعودة إليه والاستفادة بما فيه من دفاع عن الإسلام على أساس عقلانى وعلمى ومستندا إلى الوقائع التاريخية دون حماسة أو بلاغة خطابية، ولذلك فإن الحجج التى تسوقها تصل إلى العقل وتقطع الطريق على من يوجه اتهامات ظالمة إلى الإسلام.

وتقول: إن الكتابات الغربية فى الفترة بين 1529 و1683 تدل على أن وصول جيوش الأتراك إلى قلب أوربا وحصارهم فيينا عاصمة النمسا سبب صدمة شديدة للأوربيين، ومنذ ذلك الوقت سعى الغربيون إلى إلصاق كل الصفات السلبية والقبيحة بالمسلمين والأتراك، وأحيانا يراودنى إحساس، وقد يكون هذا إحساسا شخصيا، بأن هذا الخوف الغريب من اقتحام الأتراك لفيينا ما زال مسيطرا على الألمان بطريقة لا شعورية، ولكن يظهر ذلك بوضوح فى سلوكهم تجاه العمال الأتراك فى ألمانيا، وربما يكون الألمان أنفسهم لا يدركون هذه الحقيقة، ولكن هذا الحدث التاريخى المخيف بحصار فيينا ترك أثرا شديدا فى أعماق الأوربيين، وما زالوا يختزنون ذكريات هذه الأيام ويتوارثونها حتى يومنا هذا، حتى بعد أن اختلفت الظروف.. وزالت دواعى الخوف.. وهذا شىء مؤسف حقا، لأننا يجب أن نضع فى اعتبارنا أن الأتراك المسلمين كانوا بعد ذلك من أقرب أصدقاء ألمانيا، وكان لفظ (ألمانى) يمثل بالنسبة للأتراك قيمة مهمة عزيزة عليهم، ولذلك يحزننى جدا أن أرى السلوك السلبى للألمان تجاه الأتراك، وكثيرا ما تحدثت مع عمال بسطاء منهم، فأجدهم فى غاية التأثر والشعور بالإحباط من المعاملة غير الطيبة التى يلاقونها من الشعب الألمانى وهو الشعب الذى يعتبر بالنسبة لهم الشعب المثالى.

وهل الإسلام دين الشهوات الحسية حتى أن وصف الجنة ذاته يجسد ذلك؟

تقول: إن هذا القول راجع إلى الترجمات الأوربية فى القرون الوسطى لبعض آيات القرآن التى تصف الجنة على أنها حديقة كبيرة، مملوءة بالحور العين، وأضافت المتع الحسية، وقد صدمت هذه الأوصاف الأوساط المسيحية المتمسكة بالتبتل والتطهر والروحانيات، كذلك صدم هذه الأوساط أن نبى الإسلام (صلى الله عليه وسلم) لم يكن أعزب مثل المسيح، ولكنه مارس حياة زوجية طبيعية، وكان المتدينون من المسيحيين فى القرون الوسطى يعتبرون هذه الأمور مما لا يليق بالإنسان الكامل، المؤمن، المحب لله. وساهم ذلك المفهوم فى نشر صورة الإسلام الشهوانى فى القرون الوسطى، وما زالت هذه الصورة موجودة حتى عصرنا الحالى، وبعد نشر ألف ليلة وليلة فى أول ترجمة فرنسية بقلم جالان gallan فى القرن الثامن عشر، ساهمت بما فيها من جو خيالى فى نشر صورة الإسلام الشهوانى فى الكتابات والفنون الغربية، وظهر ذلك فى الفنون التشكيلية فى القرن التاسع عشر وكيفية تصوير المرأة الشرقية والحريم وهكذا.. وهناك مراجع أوربية كثيرة عن الشرق فى الفنون الغربية أبرزت المناظر الجنسية الشهوانية وهى من خيال الرسامين الذين لم يذهبوا إلى الشرق على الإطلاق، ولكنهم استغلوا الشرق لكى يرسموا ما لم يكن مسموحا لهم بأن يعبروا عنه فى رسومهم عن البيئة الغربية. وما دامت هذه الصور عن الشرق فهى مباحة، وقد أدى ذلك إلى زيادة تأكيد صورة الإسلام والمسلمين على أن الشهوات الحسية هى التى تستغرق تفكيرهم فى الدنيا والآخرة.

والإساءة إلى الإسلام كانت شائعة فى القرون الوسطى ويظهر ذلك فى الشعر الفرنسى من القرن الحادى عشر إلى القرن الرابع عشر، كما يظهر فى الأدب الإنجليزى والاسكتلندى، حتى إنهم حرفوا اسم النبى (محمد) إلى Mahaund وهو اسم يتكون من مقطعين، والمقطع الثانى haund يعنى (كلب)، وفى نصوص أخرى نجد أن اسم النبى محمد تحول إلى اسم معناه الشيطان، وحتى فى الأشعار الألمانية الرومانسية وحتى سنة 1801 نجد اسم محمد وقد تحول إلى Mahom (ما حوم) وإشارات إلى أن المسلمين يعبدون أصناما ذهبية لمحمد صلى الله عليه وسلم.. وهكذا.. لا يوجد شىء سلبى لم يلصقه الغربيون بالإسلام، من القرن الثامن حتى القرن العاشر، وازدادت مع بداية الحروب الصليبية، وفى نوفمبر 1995 تحدثوا عن ذكرى مرور 900 سنة على انطلاق أول حملة صليبيـة، مما يدل على أن تلك الحقبة مازالت حية فى عقول الغربيين!

***

وهل الإسلام يحمل العداء للغرب؟.

تقول: هذا صحيح جزئيا، لأن المسلمين عانوا طويلا من الاستعمار الغربى فى القرنين الماضيين، وقد أصاب المسلمين الفزع عندما جاء إليهم المبشرون الإنجليز وسعوا إلى تشكيكهم فى عقيدتهم الإسلامية، وأشعروهم بأنهم بشر من الدرجة الثانية، ومن السهل أن نلمس الإحساس بالاستياء والكراهية تجاه الاستعمار، وتجاه التبشير المسيحى لدى المسلمين فى الهند، وينطبق ذلك على بقية الشعوب الإسلامية أيضا. أما فى العصر الحديث فإن الخوف لدى المسلمين من التكنولوجيا الحديثة والتصنيع وأسلوب الحياة الأمريكية، وهو استياء موجه إلى الجوانب السلبية فى الحضارة الغربية، كما يراها المسلمون، مثل المبالغة فى التحديث، والإباحة الجنسية، والمبالغة فى فرض الفكر الغربى وأسلوب الحياة الغربية على المسلمين، مما يؤدى إلى ظهور أعراض الحساسية لديهم. ومع ذلك فإن من الخطر أن يمتد رفض المسلمين للمظاهر الخارجية السلبية للحضارة الغربية فيرفضوا أن يتعلموا من الغرب ما وصل إليه من مناهج البحث العلمى، والدقة العلمية، والتكنولوجيا الحديثة، وكثير من المصلحين الإسلاميين نبهوا إلى ذلك، مثل محمد إقبال فى باكستان، وقالوا إن من الممكن أن يظل المسلم مسلما وفى الوقت نفسه يأخذ من الغرب العلوم الحديثة والتكنولوجيا، وهذا موقف إيجابى، أفضل من الموقف السلبى الذى لا يرى فى الغرب سوى الجوانب السلبية فقط، وهذا هو ما يقود إلى الأحكام الخاطئة، والتصورات المشوهة عن الغرب، تماما مثل التصورات المشوهة عن الإسلام فى الغرب.. فالمشكلة سببها الجهل..

***

وكيف فهمت أنّا مارى شيمل (الجهاد) فى الإسلام؟.

تقول: إن الذين يتحدثون عن الجهاد فى الإسلام على أنه الحرب المقدسة، يستخدمون اللفظ المسيحى المرتبط بالحروب الصليبية، وتعبير (الحرب المقدسة) ليست له علاقة بالإسلام، وترجمة الجهاد بهذا التعبير تضايقنى، ويحزننى أكثر أن بعض المسلمين أصبحوا هم أيضا يتحدثون عن الحرب المقدسة، بينما الجهاد أصلا معناه بذل كل الطاقة، والتعب فى سبيل تحقيق هدف معين، والجهاد فى سبيل الله معناه الاجتهاد والعمل والجهاد لمرضاة الله، وقد يتضمن ذلك محاربة من يحاربون الإسلام والمسلمين.

وتقول: إن البعض يتحدث عن الإسلام وكأنه يوجد إسلام واحد، بينما الإسلام مثل المسيحية يشتمل على تيارات متباينة، وكما أن فى المسيحية اختلافات بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والكنائس الأمريكية الحرة، فإن هناك اختلافات بين المسلمين باختلاف ثقافاتهم وإن كانوا جميعا يؤمنون بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فالأساس واحد، والفروع تتنوع بتنوع الشعوب والأجناس والثقافات..

***

وهى تقول أيضا: إن ما يقال فى الغرب من أن الإسلام يعادى العلم ليس صحيحا، ولكنه ينطبق فقط على العصور المتأخرة فقط، ما بعد سنة 1258، بعد تدمير المغول لبغداد. وهناك إسهامات العرب العلمية تكذّب هذا الادعاء، فالعرب هم الذين وضعوا أسس العلوم الطبيعية فى أوربا، من خلال ما نقلوه عن اليونان فى العصور الوسطى من ناحية، ومن خلال تطويرهم لهذه العلوم من ناحية أخرى، فما قدمه الرازى وابن سينا فى علوم الطب من إنجازات كان يدرس فى جامعات أوربا حتى عصر النهضة، وخاصة المؤلفات الخاصة بطب العيون، وكذلك المؤلفات الخاصة بالرياضيات، وعلم الفلك.

***

ومن كتابات أنّا مارى شيمل نلمس أنها فهمت الإسلام فهما صحيحا، وقدمته للغرب بموضوعية ونزاهة علمية يجب أن تكون محلا لتقدير العالم الإسلامى، لأنه لم يظهر من بين المسلمين من خاطب الغرب خمسين عاما فيما يشبه الجهاد، أو التجنيد لتوضيح حقائق الإسلام كما فعلت هى. وهى تنفى عن الإسلام الاتهامات الظالمة المتراكمة فى الغرب منذ قرون، وهى تقدم فى أكثر من 80 كتابا جهدا علميا خارقا فى التوصل إلى أعماق العقيدة الإسلامية، بدراستها المتعمقة التحليلية المحايدة للقرآن، والفقه، والتاريخ الإسلامى، وتاريخ الأديان الأخرى، وبمعايشتها للإسلام فى مواطنه فى أنحاء العالم من تركيا وإيران إلى الهند وباكستان، وقد قرأت باللغة العربية التراث العظيم للعلوم والفلسفة والتصوف فى الحضارة الإسلامية فى مراحلها المختلفة، بما فيها من مراحل ازدهار، ومراحل انحطاط، ومن مراحل تقدم ومراحل تخلف، ووضعت يدها على الأسباب الحقيقية لتخلف المجتمعات الإسلامية بعد أن كانت لها قيادة الحضارة العالمية.

تقول: إن الإسلام يقرر بوضوح حرية الإرادة للإنسان، ويقرر فى نفس الوقت مسئولية كل إنسان فى الدنيا والآخرة عن كل ما يفعل.. والله كرّم الإنسان كما جاء فى الآية (70) من سورة الإسراء، وأعطاه الأمانة كما فى سورة الأحزاب الآية (72)، وكان إقبال فى الهند نموذجا للمفكر الإسلامى الذى استطاع مخاطبة الناس بسهولة بالشعر الذى يسهل حفظه لدعوة المسلمين إلى العمل بدلا من مفهوم التوكل على أنه الاستسلام للكسل، كان إقبال يدعو إلى إسلام ديناميكى، إسلام يكلف الله فيه الإنسان بأن يعمر الأرض، ويأخذ بالعقل والتكنولوجيا ومعهما الإيمان، فالعلم والعمل والإيمان ثلاثية تمثل حقيقة الإسلام، وبتفاعلها معا يتقدم المجتمع الإسلامى نحو المستقبل.

وكانت تقول: إن الحب يجعلنى أرى بألم بالغ خطايا المحبوب، ونحن الذين قضينا حياتنا فى دراسة عالم الإسلام الشديد التنوع، نحاول تقديم جوانبه الإيجابية إلى جمهور لا يكاد يعرف شيئا عن الإسلام وعالمه، ونحن نشعر بالصدمة عندما نرى التطورات التى حدثت فى العقود الأخيرة من القرن العشرين فى بعض أجزاء العالم الإسلامى، فإذا كانت التحية فى الإسلام هى (السلام) فإننا نرى ظهور اتجاه مخيف إلى التشدد والتضييق فى المواقف العقائدية والتشريعية فى الوقت الحاضر، وكان الاعتقاد فى البداية أن هذا الاتجاه لمقاومة التأثير الغربى المتزايد على العالم الإسلامى، ومن أجل تخليص الإسلام من التأثر بعوامل أجنبية، لكن المسألة لا تبدو كذلك، فإن الذين يجب عليهم اتباع الطريق الذى رسمه النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) لا يفعلون ذلك، ولا يتبعون تعاليمه اتباعا صحيحا، فنحن نواجه تعبيرا عن سياسة القوة، وأيديولوجيات تتخذ الإسلام شعارا لها، بالرغم من أنها تنطوى على أفكار ودعوات ليس لها أساس صحيح فى الإسلام، وفى أصول العقيدة الإسلامية. فإننى- مع طول دراستى للإسلام- لم أجد فى القرآن، أو فى الحديث، أية دعوة إلى الإرهاب، أو احتجاز الرهائن، ولم أجد ما يشير ولو إشارة إلى مجرد السماح أو القبول بمثل هذه الأفعال، ووجدت دائما تجسيدا للقاعدة الذهبية التى تقول: (عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به) ووجدت أن هذه القاعدة الذهبية ركن مهم فى علم الأخلاق الإسلامى، فليس هناك إنسان عاقل يمكن أن يؤيد أعمال الإرهاب، فى أى مكان على الأرض، وأيا كانت عقيدة مرتكبيها، وسوف نكون- نحن المستشرقين- أكثر الناس سعادة حين تلغى أحكام الإعدام، وأحكام السجن على أصحاب الآراء المخالفة والناقدة، ولكن يبدو أن كثيرين من الأصوليين المتطرفين ينسون أن القرآن نبّه إلى أنه (لا إكراه فى الدين) فى سورة البقرة (آية 257) وأن النبى (صلى الله عليه وسلم) حذّر من الحكم بالكفر على أحد من الناس، وشدد فى التحذير من أن يكفّر الناس بعضهم بعضا.. ويحاول الأصوليون المتطرفون أن يجذبوا أنصارا لهم من بين الشباب الحائر الذى يعانى من البطالة، ويعملوا على تعبئة مشاعرهم ببعض الشعارات والتعبيرات بعضها كلمات حق يراد بها باطل وأكثرها ليس من الإسلام أصلا، والإسلام بذلك يتعرض لإساءة استخدامه لتحقيق أهداف سياسية تختلف عن الأهداف الحقيقية للإسلام الصحيح.. هؤلاء الأصوليون المتطرفون يقدمون الإسلام فى صورة كاريكاتورية كما قال الطاهر بن جلون، ويساندون مذهبا سياسيا لم يسبق أن كان له وجود من قبل فى العالم العربى الإسلامى.

***

على الجانب الآخر تنبه أنّا مارى شيمل إلى أن صورة الغرب أيضا مشوهة فى الإعلام فى معظم البلاد الإسلامية، ولذلك فإن التفاهم من الجانبين، وتوضيح الأمور من أهم الواجبات الآن. وتقول إن الغريب أن معرفة المسلمين أنفسهم محدودة بتاريخهم، وما حققوه من منجزات فى مناطق عديدة من العالم الإسلامى، حتى المتعلمون الليبراليون أيضا معرفتهم محدودة بما تحقق فى أنحاء مختلفة على يد المسلمين، ولذلك فإنهم يحتاجون إلى من يذكرهم بأسلوب هادئ بالتقاليد العظيمة لحضارتهم التى يبدو أنها أصبحت حضارة منسية حتى بالنسبة للمسلمين.. هذه الحضارة العظيمة تم تجميدها وإبعادها عن التطور عدة قرون، مع أن هذه الحضارة الإسلامية إذا تحقق لها البعث بثورة صحيحة، وإذا آمن أصحابها بأنها قابلة لمسايرة تطورات العصر، فإنها ستكون هى الطريق إلى مستقبل جديد للعالم الإسلامى.

وتقول: إن المسلمين يحتاجون إلى الأسلوب الهادئ لتصحيح المفاهيم المشوهة، ولا يحتاجون إلى القسوة التى قد تثير فيهم ردود فعل سلبية، وقد تذكرهم (بالاستعمار الثقافى).

وتقول: لقد دعتنى كلية الشريعة بجامعة أنقرة لشغل كرسى الأستاذية لتاريخ الأديان فيها، ولتدريس تاريخ الكنيسة، وتاريخ العقائد، وكنت فى ذلك الوقت سيدة شابة غير مسلمة، فى حين لم يكن فى أية جامعة ألمانية كرسى أستاذية تشغله سيدة، ونحن- فى الغرب- ننسى الأهمية التى يوليها القرآن لكل من المسيح (روح الله)، وأمه العذراء، والمسلمون يحملون لهما الاحترام والتبجيل.

والإسلام- كما تقول- دين السلام، والسلام هو عملية النمو الحيوى التى يجب أن يؤمن بها كل إنسان، ولذلك نجد أن (الجهاد) عند المتصوفين المسلمين هو تطهير النفس من صفاتها السيئة، وجهاد النفس هو الطريق للوصول إلى الله، فإذا نجح إنسان فى الوصول إلى (السلام) داخل نفسه، فإنه يصبح قادرا على تحقيق السلام فى العالم.

***

وتقول أنّا مارى شيمل: ربما يرى البعض أن الصورة التى أرسمها للإسلام صورة مثالية بعيدة عن الواقعية السياسية، غير أننى تعلمت، وأنا باحثة فى الأديان أن المقارنة ينبغى أن تكون بين النظائر، أى بين المثالية والمثالية، ولا تكون المقارنة مع الصورة المشوهة الناشئة عن الضعف البشرى والانحراف. وإن معرفتى للإسلام مستمدة من البحث عشرات السنين فى الآداب والفنون الإسلامية، ومن معاشرة الأصدقاء المسلمين من طبقات الشعب فى جميع أنحاء العالم الذين استقبلونى فى بيوتهم بود بالغ، وساعدونى على معرفة حضارتهم معرفة دقيقة، وإذا أردتم نموذجا للتسامح الإسلامى فتذكروا السيدة التركية (مولودة جنتش) التى تعيش فى (سولينجن) بألمانيا، فقد أعلنت عفوها عمن قتل أسرتها، هذا العفو هو روح الإسلام، وإن تقبل الطرف الآخر هو الأساس لكل حوار، وينطبق ذلك على علاقة الغرب بالعالم الإسلامى، خاصة أن الإسلام أصبح يصور على أنه العدو الجديد للغرب بعد انتهاء المواجهة بين الكتلتين الغربية والشرقية، وإننى على يقين بأن الشعوب يمكنها أن تتحاور على أساس احترام كل طرف للطرف الآخر دون أن يعنى ذلك ضرورة إزالة الخلافات بينهما، بل السعى إلى تجاوز هذه الخلافات هو الأهم.

وأجمل ما قالته أنّا مارى شيمل إن وسيلتها للحديث عن الإسلام ليست بإصدار البيانات، أو بالظهور المسرحى، ولكنها تؤمن بأن المياه التى تسير سيرا هادئا وباستمرار قادرة مع الزمن على أن تذيب الحجر الصلب.

وكانت تحب أن تكرر أبياتا من شعر إقبال تقول: لله الشرق، ولله الغرب، والشمال والجنوب، السلام فى راحتيه.. وهو الوحيد العادل.. ويريد العدل للجميع.. فلتبارك من أسمائه الحسنى اسم السلام.

***

هذه هى المستشرقة العظيمة التى عرفت الإسلام حق المعرفة، وتفرغت لدراسته أكثر من ستين عاما، وعبّرت عن احترامها للعقيدة والمبادئ الإسلامية، وعن حبها للمسلمين، واستطاعت التفرقة بين المسلمين والجماعة المحدودة العدد من المتطرفين والإرهابيين الذين لا يعبّرون عن حقيقة الإسلام.. وهى بحق- كما قيل عنها- دائرة معارف، عاشقة لعملها، ويصعب إحصاء مؤلفاتها باللغات الألمانية، والإنجليزية، والتركية..

وبعد لقاءات متعددة معها وأحاديث طويلة وصريحة أحسست أن روحها تحلق مع القيم السامية للإسلام، ولمست أن روح التصوف تمكنت منها فأصبحت هى أيضا من كبار المتصوفة، بعد أن تعمقت فى دراسة التصوف الإسلامى فى مختلف البلاد والعصور الإسلامية، وعايشت الحلاج، وابن عربى، ورابعة العدوية، وإقبال، وجلال الدين الرومى، والمثنوى، وغيرهم، وغيرهم، حتى أصبح التصوف رسالتها فى الحياة. ورأت أنه ركن أساسى فى التدين الإسلامى لأنه الحب بمعناه الواسع.. حب الله.. وحب الناس.. وحب الطبيعة.. وحب الأشياء.. وحب الحيوان.. وكل ما خلق الله.. فكل ما فى الكون تجليات القدرة الإلهية.. وعبّرت عن ذلك بقولها: إن التصوف هو لب الدين الإسلامى وهو إطار الإسلام كذلك.

وحين سئلت: إذا كنت تحبين الإسلام كل هذا الحب فلماذا لم تعتنقى الإسلام؟ أجابت: هذا سؤال محرج، لا أعرف كيف أجيب عنه.

وحين سئلت: إذن فما ديانتك؟ قالت: الله أعلم!

إننى شخصيا أقرأ الفاتحة على روحها كثيرا وأدعو لها جزاء ما قدمت للإسلام. *

أعلي الصفحة

أعراض الناس .. هل أصبحت مستباحة ؟

وحدة الموقف العربى طوق النجاة

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف