السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

فاروق كان ملكا وليس ملاكاً ( 13 )

 

استمرت علاقة الملكة نازلى- أم فاروق- بأحمد حسنين رئيس الديوان الملكى- أكثر من تسع سنوات، ولم تكن هذه هى العلاقة الأولى أو الأخيرة فى سجل نزواتها.. ففى سنة 1942 اشتد الخلاف بينها وبين فاروق بسبب علاقتها بأحمد حسنين، فسافرت إلى القدس ونزلت فى فندق الملك داود، وهناك انتشرت القصص عن فضائحها مع رجال مختلفين من العرب والأجانب، يقول صلاح الشاهد الذى كان قريبا من القصر ومطبخ السياسة: إن فاروق استدعى النحاس باشا وقال له: إن والدتى تحبك وتحب زينب هانم- زوجة النحاس- وأرجو أن تسافر لإحضارها..
وسافر النحاس وقرينته إلى القدس وأقاما فى الفندق أسبوعا يحاول إقناع نازلى بالعودة، فاشترطت أن تستقبل فى محطة مصر استقبالا رسميا، وأن يكون الملك نفسه فى استقبالها على رصيف المحطة، ووعدها النحاس بذلك، وعاد النحاس وقرينته إلى القاهرة وأبلغ الملك فأصر على ألا يذهب إلى المحطة والاكتفاء باستقبال الرسميين وتشريفة الحرس الملكى لها.
لكنه عاد ووافق على مطالبها وذهب لاستقبالها على رصيف المحطة، ولكن الفضائح التى كانت تنشرها الصحف الأجنبية عن نزوات الملكة الأم كانت تصل إلى السياسيين والصحفيين فى القاهرة، وكانت من المعاول التى أدت إلى تصدع النظام فيما بعد.
***
ولم تكن نازلى وحدها التى انتشرت فضائحها فى العالم، ولكن الفضائح شملت الأسرة الملكية كلها.. يقول المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعى: اجتمع إلى مساوئ فاروق فى الحكم ظهور الفضائح بين أفراد عائلته وأقرب الناس إليه.. وكانت هذه الفضائح-قبل فاروق- موجودة فى نطاق ضيق بحيث لم يلق الكثيرون بالهم إليها، أما فى عهده فقد تفاقمت الفضائح وصارت موضع أحاديث الخاصة والعامة، ولعل مسلك فاروق الشخصى كان مغريا ومشجعا لأفراد عائلته، على الاستهتار وعدم المبالاة، وكان هو قدوة سيئة لهم، ففى عهده تزوجت عدة أميرات من رجال أجانب وهجرن مصر وأقمن مع أزواجهن فى أوروبا وأمريكا، ومعظم-الأزواج- كانوامن الأفاقين ونهازى الفرص، فساءت سمعة أسرة محمد على بين الشعب، ولم تحافظ والدته نازلى على سمعتها.
ولكن السنوات التالية لوفاة أحمد حسنين شهدت من الفضائح ما جعل الشعور بالخجل سائدا بين المصريين.
فقد سافرت نازلى إلى أوروبا، وقد عزمت على ألا تعود إلى مصر لكى تعيش على حريتها، وعند وصولها إلى مارسيليا قابلت أفاقا يدعى رياض غالى كان أمينا للمحفوظات بقنصلية مصر فى مارسيليا، وكلفته القنصلية ليكون فى خدمة الملكة، وليشرف على نقل حقائبها، وبسرعة تحول إلى عشيق جديد للملكة، وظل يلازمها ليل نهار، وحين سافرت إلى سويسرا وفرنسا وانجلترا ثم استقرت فى أمريكا ظلت تصحبه معها.
ووصلت إلى مصر أنباء الفضيحة الجديدة فطلبت وزارة الخارجية من رياض غالى العودة إلى عمله فى مارسيليا فرفض الإذعان لطلب الوزارة، فقررت الوزارة إحالته إلى المعاش، فاستبقته نازلى فى خدمتها، وادعت أنه (السكرتير الخاص) وعوضته أضعاف مرتبه.
وبعد ذلك دوت فى العالم أنباء أكبر فضيحة تناقلتها الصحافة الأمريكية والأوروبية رياض غالى- المغامر المسيحى- أصبح العاشق للملكة الأم ولابنتها- الأميرة فتحية- فى نفس الوقت، وكانت هذه العلاقة الشاذة هى الختام المأساوى لقصة ملكة لم تحترم العرش الذى جلست عليه، ولم تراع كرامة البلد الذى تنتمى إليه.. بل لم تحترم شيخوختها حتى حين وصلت إلى سن الثمانين.. بل لم تراع حالتها الصحية، وهى تعانى فى سنوات الإقامة فى أمريكا من مرض فى الكلى، اضطرت إلى إجراء جراحة لاستئصال إحدى الكليتين.
كان رياض غالى الشاب الوسيم مسيحيا فى الثلاثين من عمره، حكى بنفسه بداية علاقته بالملكة نازلى فى حديث مع زميلنا الراحل جميل عارف لمجلة المصور نشرته فى عدد 7 يناير 1971 فقال: (طيلة إقامة الملكة وابنتها الأميرة فتحية والأميرة فائقة فى مارسيليا لم أحظ بمقابلتهن.. وفى صبيحة يوم سفر الملكة استدعانى القنصل وكلفنى بحمل البريد الذى ورد باسم الملكة إلى جناحها فى الفندق، دعتنى الملكة للجلوس وسألتنى عن اسمى وأسرتى وعملى وثقافتى.. وعندما وصلت إلى دار القنصلية علمت أن الملكة اتصلت بالقنصل ليتخذ الإجراءات لانتدابى لمرافقتها إلى الولايات المتحدة.
***
وبدأت الأنباء تتردد فى أوروبا ووصلت إلى الشارع فى القاهرة عن علاقة الملكة الأم بعاشق جديد، ومن جنيف وصل تقرير سرى إلى فاروق فى 25 أكتوبر 1946 وفيه (سافرت الملكة نازلى إلى جنوب فرنسا، وقد لوحظ أنها سلمت رياض غالى كل أموالها.. وجعلته المتصرف فيها).
وينقل حنفى المحلاوى فى كتابه عن الملكة نازلى بعض البرقيات والتقارير التى وصلت إلى الملك ومازالت محفوظة فى أرشيف قصر عابدين ومنها مثلا: نيس 3 نوفمبر 1946- شوهدت الملكة نازلى مع رياض غالى فى المعرض، وكانت تتحدث معه بغير كلفة،واشترت روائح عطرية مختلفة، وكانت تضع بعضها على أنفه ليشم الرائحة.. باريس 17 نوفمبر 1946 وصلت الملكة نازلى إلى هنا وحجزت غرفة لرياض غالى فى فندق (بلانتزا أتينيه) بجوار جناحها.. باريس 20 نوفمبر 46- كان رياض غالى يصطحب الملكة نازلى فى ذهابها إلى الخياطات لشراء الفساتين الجديدة.. باريس 22 نوفمبر 46- شوهدت الملكة نازلى فى مسرح (الكازينو دى بارى) ومعها رياض وكان يجلس بينها وبين الأميرة فتحية.. وبعد ذلك خرجوا إلى مطعم فى الحى اللاتينى وتناولوا العشاء. باريس 27 نوفمبر 1946- شوهد رياض غالى فى البنك يودع فيه مبلغا طائلا باسمه، كما شوهد فى نفس اليوم يقود سيارة ومعه الملكة والأميرتان. جنيف 7 أبريل 1947 لوحظ أن الملكة تتناول إفطارها فى الفندق يوميا مع رياض غالى وهو الحاكم بأمره فى الحاشية الملكية، ويبدى أفراد الحاشية استياءهم لنفوذه الذى يزداد وسيطرته الكاملة على الملكة. جنيف 27 أبريل 1947، قالت الملكة نازلى إنها إذا أرادت أن تختار بين صداقتها لرياض غالى وابنها فاروق فإنها تختار صداقة رياض غالى.. لندن 7 مايو 1947، قالت الملكة نازلى اليوم إنها لا تريد العودة إلى مصر لأن جلالة الملك ينظر إلى رياض غالى نظرة شك.. لندن 8 مايو 1947، قالت الملكة نازلى إنها ستهاجر إلى أمريكا وأنه معروض على رياض غالى مناصب كبيرة فى شركات مالية وصناعية فى أمريكا وأنه يستطيع أن يكون مليونيرا إذا أراد، ولكنه فضل أن يكون فى خدمتها.. لندن 11 مايو 1947 يقول رجال البوليس السرى الذين كلفتهم السفارة بأن يتولوا حراسة الملكة نازلى إن رياض غالى هو المتصرف فى شئونها.. وإن الأميرتين قبل سفرهما مع الملكة لم تكونا لتستطيعا شراء أى شىء إلا بإذنه وبموافقته.. وعندما كان يمرض رياض غالى كانت الملكة هى التى تقوم برعايته.
وفى منتصف مايو 1947 هاجرت الملكة نازلى إلى أمريكا.. واستقال رياض غالى من عمله فى وزارة الخارجية ليتفرغ للملكة وابنتها فتحية وأقام معها فى فيلا اشترتها نازلى فى بيفرلى هيلز فى هوليوود أرقى أحياء أمريكا.. وأجريت لها ثلاث عمليات جراحية إحداها لاستئصال الكلى اليمنى. وفى حديث صحفى قال رياض غالى: ذات يوم جمعتنى الظروف بالأميرة فتحية وكنا بمفردنا وحدث ما كنت أخشاه، فقد صارحتنى بحبها لى، فقلت: مستحيل أنت أميرة وأنا لا شىء..
واستدعتنى الملكة نازلى ذات يوم وإذا بها تفاجئنى بقولها اسمع يا رياض، أنا أعرف ما يدور وراء ظهرى بينك وبين فتحية.. فقلت: لقد فكرت فى هذا الموضوع وقررت إشهار إسلامى، فقالت: على بركة الله، واستدعت ابنتها فتحية واستقبلتها بقبلة وهنأتها.. وأمام تعنت الملك فاروق فيما أقدمنا عليه قررنا أن نضعه أمام الأمر الواقع بعدما سمعنا بثورته وتهديده لنا جميعا فحددنا موعدا للزواج، ولكن فاروق ازداد هياجا وثورة.. بل هددنى بأنه سوف يقتلنى بنفسه إن رآنى.
فى أواخر أبريل 1950 طلب فاروق من النحاس باشا أن يستخدم نفوذه لدى الملكة نازلى لمنع هذا الزواج بأى ثمن، واتصل الناس بها، وقال لها: (ثقى أن هذا الزواج سيكون أول مسمار فى عرش ابنك، وأول مسمار فى نعشه).
ووصلت التهديدات إلى أسرة رياض غالى، ورفضت السفارة المصرية فى واشنطن تجديد جواز سفره.. وفى أوائل مايو 1950 عقد الزواج المدنى فى سان فرانسسكو بين رياض غالى و(الأميرة) فتحية.
وطلب فاروق أن تنشر الصحف قصة هذا الزواج بالتفصيل كما طلب من الرقابة عدم حذف أى شىء فيها.. وأمر مجلس البلاط برئاسة الأمير محمد على بالاجتماع للنظر فى أمر الملكة الأم والأميرة وقرر مجلس البلاط رفض زواج فتحية من رياض وتجريدها هى وأمها الملكة نازلى من امتيازاتهما الملكية، فلم تعد الملكة ملكة ولم تعد الأميرة أميرة، ومصادرة أملاكهما وأموالهما فى مصر.
الفصل الأخير فى يوم 9 ديسمبر 1976 أطلق رياض غالى الرصاص على الأميرة فتحية وقتلها بعد إدمانه الخمر والمخدرات، وحاول الانتحار بإطلاق الرصاص على رأسه، ولكنه لم يمت وحكم عليه بالسجن 15 عاما.. ومات رياض غالى.. ثم ماتت الملكة نازلى عام 1978 وعمرها 83 سنة ودفن الثلاثة فى إحدى كنائس لوس انجلوس، فقد ماتوا على المذهب المسيحى الكاثوليكى.. بعد أن تبددت الثروة وعاشوا حياة الفقر.. ولم يترحم أحد عليهم فى مصر وكل ما قيل: إن الله يمهل ولا يهمل.

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف