السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

فاروق كان ملكا وليس ملاكاً ( 23 )

 

لم يكن أحد فى مصر يعلم شيئًا عن الاتصالات السرية التى كانت بين فاروق وبين القادة الإسرائيليين أثناء اشتباك الجيش المصرى فى حرب فلسطين عام 1948، إلى أن تم الكشف عن بعض الوثائق السرية، وصدرت مذكرات شخصيات كان لها دور فى هذه الاتصالات كما فعل السفير الإسرائيلى موشيه ساسون ثانى سفراء إسرائيل فى القاهرة الذى كان يعلم الكثير من الأسرار والخفايا قبل أن يأتى إلى مصر. وقد ترجم مذكرات ساسون زميلنا حسين سراج الخبير فى الشئون الإسرائيلية، وفى اللغة العبرية ونائب رئيس تحرير (أكتوبر)، ونشر بعض فصولها فى (أكتوبر) من قبل، وهى مذكرات تستحق وقفة للتأمل والتحليل. فى بدايتها يقول ساسون:
إن الفترة من عام 1948 إلى 1977 عام زيارة الرئيس السادات للقدس حدثت فيها اتصالات سرية كثيرة بين إسرائيل والدول العربية. ويذكر أن –الياهو ساسون- كان مديرًا لقسم الشرق الأوسط فى الخارجية الإسرائيلية فى ذلك الوقت، وقد سافر إلى باريس فى يوليو 1948 – أى أثناء الحرب فى فلسطين – وأنشأ قاعدة فى العاصمة الفرنسية لإقامة اتصالات سرية مع شخصيات ودول عربية.
وساعده فى ذلك ثلاثة آخرون من الخارجية الإسرائيلية، وقام الياهو ساسون (بتجديد) الاتصالات مع مصر، ومن خلال هذه الاتصالات نجح فى إطلاق سيدة إسرائيلية كانت مسجونة فى مصر، كما أقامت هذه المجموعة الإسرائيلية علاقات مع مسئولين فى سوريا أبرزهم حسنى الزعيم، ومع ممثلى الطوائف المسيحية والشيعية فى لبنان، ومع شخصيات فى العراق، وشخصيات أردنية أبرزها رئيس الوزراء – توفيق أبو الهدى – ومستشار الملك عبد الله – عبد الغنى الكومبى – والطبيب الخاص لملك الأردن "شوكت الساتى".
ويذكر أيضًا – وهذا هو الأهم – أن والده أقام علاقة مع مدير مكتب الملك فاروق، وبعد ذلك التقى مع ممثل الملك، وأجرى معه محادثات حول التفاوض بجدية من أجل سلام منفرد بين مصر وإسرائيل، وفى نفس الوقت نجح أحد أفراد هذا الفريق الإسرائيلى فى إجراء اتصالات مع الملحق الصحفى بالسفارة المصرية فى باريس عبد الرحمن صادق – وأن هذه الاتصالات جميعها استغرقت وقتًا طويلاً، وتم عن طريقها إرسال وتلقى رسائل بين حكومة إسرائيل والمسئولين فى مصر. ويكشف النقاب عن واقعة مهمة هى أن والده – الياهو ساسون – كان أيضًا مكلفًا بإجراء اتصالات فى مصر وقد أرسل خطابًا إلى رئيس الديوان الملكى – إبراهيم عبد الهادى – يدعوه فيه للتفاوض، و كان ذلك قبل أن تستكمل إسرائيل إجراءاتها العسكرية فى النقب، وقبل أن تبدأ المحادثات حول اتفاق الهدنة، وقد وصل مبعوث فاروق إلى باريس فى سبتمبر 1948 وكان اسمه كامل رياض، وقد طلب معرفة مقترحات إسرائيل بشأن السلام مع مصر والعالم العربى. ويذكر موشيه ساسون ما حدث فى مقابلة له فى القاهرة مع رجل كان يعمل فى البلاط الملكى قبل عام 1948، وكان مسئولاً عن إجراء لقاءات مع الياهو ساسون (والد السفير موشيه ساسون) الذى كان وقتها رئيسًا لشعبة الشرق الأوسط بالقسم السياسى فى الوكالة اليهودية قبل الحرب، وقبل قيام دولة إسرائيل كان يزور القاهرة كثيرًا حيث أقام شبكة ضخمة من العلاقات والاتصالات من أجل إقناع البلاط الملكى بتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل التى سيعلن عن قيامها. وفى عام 1948 جدد إلياس ساسون اتصالات مرة أخرى مع البلاط الملكى حول معاهدة السلام.
هذا ما ذكره موشيه ساسون بالنص ولمن يريد معرفة بقية الأسرار عليه أن يقرأ الكتاب ففيه الكثير ويستحق القراءة.
***
لخص الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل حالة مصر فى أعقاب نكبة 1948 فى عبارة بليغة هى: (جيش مجروح وشعب موجوع) وهذه هى الحقيقة إذ لم يكن فاروق غافلاً عن خطر الجيش العائد من فلسطين وهو يشعر بالخديعة، واحتمالات اتصاله بالغضب المتراكم فى مصر. وتقارير الحرس الملكى فى محفوظات قصر عابدين تظهر أن فاروق كان يعلم من المخابرات العسكرية بما يجرى داخل الجيش. كما كان القلم المخصوص فى وزارة الداخلية الذى كان مسئولاً عن متابعة النشاط السياسى فى الداخل، يرفع تقريرًا يوميًا بتوقيع رئيسه – اللواء محمد إمام إبراهيم– وكانت فى هذه التقارير تفاصيل عن التقاء عناصر عسكرية مع عناصر مدنية، وكان فيها أيضًا تنبيهات إلى وجود مناخ سياسى (مضطرب) فى البلاد نتيجة لكل ما وقع سنة 48 ابتداء من إضراب البوليس، إلى حرب فلسطين، إلى حل الإخوان، إلى اغتيال رئيس الوزراء محمود النقراشى، واغتيال مرشد الإخوان حسن البنا بأمر مباشر من رئيس الوزراء وبواسطة هيئة مكتبه بما فيه حرس الوزارات. وكانت تصل إلى الملك فاروق أيضًا تقارير من الحرس الحديدى التابع للدكتور يوسف رشاد المقرب من الملك.. وحاول فاروق السيطرة على الأمور فقام بانقلابات متتالية على الدستور، واختار أن يحكم البلاد برؤساء وزارات شعبية لهم أبرزهم ثلاثة تم اغتيال اثنين منهم هما: أحمد ماهر والنقراشى، وتم طرد الثالث وهو إبراهيم عبد الهادى. وجاء بعد ذلك إسماعيل صدقى رئيسًا للوزراء.. وهؤلاء جميعًا بسياساتهم أوصلوا فاروق مباشرة إلى حافة الخطر. كانت مخاوف فاروق على عرشه بعد توقف معارك حرب فلسطين تجعله يتخذ قرارات ومواقف طائشة.. وأخيرًا قرر إجراء انتخابات قرر تزويرها وحدد مقدما وقبل إجرائها النسبة لكل حزب فى مجلس النواب، ولكن السفارة البريطانية رأت أن تحديد نسبة الأحزاب فى مقاعد مجلس النواب ستؤدى حتمًا إلى حالة من التوتر، وسوف تثير المخاطر.. ومع أن تعليمات الملك إلى رئيس الوزراء – حسين سرى – بألا يحصل الوفد على أكثر من 40% من المقاعد فإن النتيجة كانت على عكس إرادته.. إذ حصل الوفد على أغلبية كاسحة، لأن حسين سرى لم يشأ أن يسجل فى تاريخه تدخلاً بالتزوير، كما أنه سمع نصيحة أصدقائه جميعًا بأن تزوير الانتخابات وفقًا لما يريده الملك سيؤدى إلى عدم الاستقرار. وكان هذا رأى السفارة البريطانية أيضًا.. واشتد غضب فاروق على رئيس الوزراء.. وكان غضبه أشد على وزير الداخلية – محمد هاشم – لأنهما لم يستطيعا (ضبط النتيجة) على حد تعبيره!
***
بعد أن أصبح فاروق دكتاتورًا، بدأ مرحلة جديدة من الجشع الذى لا يشبع. وعلى الرغم من ثروته الهائلة فإنه طلب زيادة مخصصاته وبرر ذلك بأن كثيرين من أغنياء الحرب وتجار السوق السوداء والتهريب جمعوا ثروات خرافية، وأنه لمس مدى ثرائهم عندما تقدموا بطلبات للحصول على ألقاب البكوية والباشوية وألمحوا إلى استعدادهم لأن يدفعوا الثمن وفق أى توجيه ملكى.. ولم يضيع فاروق هذه الفرصة أيضًا. وفى نفس الوقت قام بضم عشرات الآلاف من الأفدنة إلى ملكيته الخاصة، حتى أنه - طبقًا لتقارير السفارة البريطانية – استولى على 63 ألف فدان فى الدلتا والصعيد! وعين مستشارًا ماليًا منحه رتبة الباشوية هو إلياس اندراوس باشا الذى تولى توفير أكبر قدر من السيولة النقدية للملك حتى بالمضاربة فى بورصة القطن لحساب (الخاصة الملكية). ثم دخل فاروق بنفسه إلى أعمال لا تخطر على البال، فقد كان هاويًا للاقتناء – وكانت لديه مجموعة نادرة من طوابع البريد، فقام بعرض هذه الطوابع على هواة المقتنيات النادرة فى العالم، وكان ذلك سببًا لتعرضه لفضيحة لا تليق بملك، فقد قام تاجر طوابع نادرة (يهودى من تشيكوسلوفاكيا هاجر إلى لندن اسمه جوزيف سمييفسكى) برفع قضية على فاروق شخصيًا وقدم بلاغًا إلى بوليس لندن بأن فاروق سرق منه طابعًا نادرًا قيمته خمسة آلاف جنيه استرلينى، وأنه كان قد عرض هذا الطابع على الملك وأرسله إليه فى رسالة خاصة، ولكن سكرتير الملك أبلغه أن فاروق فتح الرسالة بنفسه فوجد المظروف خاليًا، وهكذا وضع فاروق سمعته فى ساحة المحاكم الجنائية، ومراعاة لشخصية المتهم ولعلاقات بريطانيا بمصر اكتفى التحقيق بأن التاجر كان مبالغًا فى تقدير قيمة هذا الطابع. ولم يعلن عدم صحة الاتهام!. وأضاف فاروق إلى كل ذلك سعيه إلى زيادة ثروته بالقمار، و طبعًا وجد كثيرين مستعدين للخسارة أمامه عمدا ليحتفظوا بصحبته ويحققوا من وراء قربهم منه مغانم أكبر، ومع ذلك فإن بعضهم لم يستطع الاستمرار فى هذا الابتزاز فانسحب عن مائدة القمار الملكية الشهيرة فى نادى السيارات وغيره من الأندية، واكتفى بما حصل عليه من ورائها! وعندما بدأ الاستعداد لزواج فاروق بناريمان تولى القصر إبلاغ الجميع – حتى السفارات الأجنبية – بأن الملك لا يريد أن تقدم له هدايا رمزية، ولكنه يريد هدايا حقيقية، فقام الجميع بتقديم هدايا من الذهب والمجوهرات النفيسة.. الحكومة الهندية مثلا قدمت غطاء للفراش مطرزا بالذهب ومرصعا باللؤلؤ، وإيطاليا قدمت لوحة نسيج من صنع فينيسيا يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر تقدر قيمتها بالملايين.. وفرنسا قدمت طاقمًا للطعام من الفضة المحفوفة بالذهب.. وأثيوبيا قدمت إناءً كبيرًا مرصعًا بالجواهر.. وتركيا قدمت سجادة تاريخية نادرة من صنع القرن السادس عشر.. وتسابقت الوزارات والمؤسسات وكبار الشخصيات – حتى الجيش والبوليس وحتى الجمعيات الخيرية – إلى تقديم الهدايا النفيسة.. وكذلك الجاليات الأجنبية. وكتب السفير البريطانى فى القاهرة – السير رالف ستيفنسون – إلى وزير خارجيته يقول له: (إن القاهرة لا حديث لها إلا عن وسائل الضغط القاسية التى جرى اتباعها حتى تكون الهدايا التى تقدم للملك كثيرة وغالية. وكان ذلك فضيحة فى داخل مصر، لكن شهر العسل كان فضيحة أمام العالم، فقد طال إلى عشرة أسابيع (توسطها شهر رمضان) وتحول الفرح المتحرك فى أوربا إلى سيرك متنقل حسب تقرير السفارة البريطانية فى سويسرا.. كان فاروق يتنقل فى موكب طويل من سيارات الكاديلاك الكبيرة تسبقها سيارة حراسة تليها سيارة الملك وعروسه ووراءهما سيارات تحمل رجال ونساء الحاشية وعددا من الجميلات الإيطاليات، ووراء كل ذلك عدد من أصدقاء الملك ورفاقه على موائد القمار، وحيث يصل الركب الملكى يجد مجموعة من الرجال الأشداء من الحرس الملكى.. وتقارير السفارة البريطانية التى نشر مقتطفات منها الأستاذ هيكل فى كتابه (سقوط نظام) مليئة بالمساخر والفضائح. ولمن يريد التفاصيل يجدها فى كتاب الأستاذ هيكل ويجد حكايات سجلتها الوثائق البريطانية وتقارير السفارات التى زالت عنها السرية ليدرك أنه عصر من الفساد!

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف