السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

فاروق كان ملكا وليس ملاكاً ( 24 )

 

فى يوم السبت 26 يناير 1952 اشتعلت القاهرة بحريق دمر عدة منشآت مهمة من وسط المدينة. وفى اليوم التالى - 27 يناير - صدر المرسوم الملكى بإقالة وزارة النحاس باشا التى كانت فى الحكم، ومعه مرسوم بتعيين على ماهر باشا رئيساً للوزارة. وضمت الوزارة الجديدة مرتضى المراغى وزيرا للداخلية – وكان محافظاً للإسكندرية، وقبلها كان مديرا للأمن العام ووكيلا لوزارة الداخلية – ومن الطبيعى أن تبدأ منذ اللحظة الأولى فى جمع المعلومات التى توافرت لدى أجهزة الداخلية عن تفاصيل الأحداث والأصابع الخفية التى حركتها.. وهذه هى المعلومات التى جمعها وزير الداخلية، كما سجلها فى مذكراته التى أصدرت دار المعارف طبعة جديدة لها منذ أيام.
أول خبر.. فندق شبرد الكبير يحترق – وكان مكانه شارع الجمهورية الآن – والنزلاء يلقون بأنفسهم أو يلقى بهم من الأدوار العليا للنجاة من الحريق. المتاجر والمحلات الكبرى التى يمتلكها الأجانب تحترق وينهب ما فيها.. البنوك يتم اقتحامها والاستيلاء على خزائنها ونهبها أو إلقاؤها من النوافذ ليلتقطها المارة.. النادى الانجليزى (الترف كلوب) فى شارع عدلى تتم مهاجمته وضرب وقتل الانجليز داخله.. دور السينما تحترق.. الملاهى والمتاجر تشتعل فيها النيران، وعندما تم حصر المواقع التى دمرها الحريق تبين أنها كما يلى:
300 محل – 107 مكاتب أعمال – 13 فندقا – 40 دار سينما – 16 نادياً – 33 مطعماً وصالة رقص وملهى – 8 محلات لبيع السيارات – بنك واحد – 92 بارا.
فى اليوم السابق – 25 يناير – كانت دبابات قوات الاحتلال البريطانى قد هاجمت ثكنات البوليس المصرى فى الإسماعيلية وطلبت من القوات التسليم، ورفضت قوات البوليس وقاومت، وسجل التاريخ ملحمة بطولة للشرطة المصرية حين اشتبكت بأسلحتها المحدودة مع قوات الامبراطورية التى لا تغرب عنها الشمس، وبلغ عدد شهداء الشرطة المصرية 60 بطلاً بعد أن قتلوا وأصابوا عدداً غير قليل من قوات الاحتلال. أثار الحادث مشاعر المصريين.. قام عمال مطار القاهرة – وكان اسمه مطار فاروق – بالتجمع حول أربع طائرات لشركة الخطوط البريطانية ومنعوا نزول ركابها أو تزويدها بالوقود.. ومع أول ضوء النهار حدث تمرد فى معسكرات جنود بلوكات النظام فى العباسية. فخرجوا يحملون أسلحتهم. وأثار منظر جنود البوليس فى هذه المظاهرة طلبة مدارس العباسية فانضموا إليهم، وفى الطريق انضم إليهم بعض جنود الجيش. وعند جامعة فؤاد الأول – جامعة القاهرة الآن – اختلط البوليس مع الطلبة وأخذوا يطلقون النار فى الهواء، واندمج معهم عمال العنابر والسكك الحديدية، وبعد ذلك توجهت الحشود إلى مجلس الوزراء، وهناك خرج لهم عبد الفتاح حسن باشا وزير الشئون الاجتماعية وحاول تهدئتهم إلا أنهم هتفوا بسقوطه. وظهر أحد ضباط الجيش اسمه محمد عبد الخالق حمله المتظاهرون وصاح الضابط فى الوزير: أيها الوزير.. الجيش للحرب.. لماذا لم ترسلونا إلى القتال دفاعا عن إخواننا جنود البوليس؟!، ثم تطورت الأحداث حين اندست عناصر الشغب وسط المتظاهرين حاملة قنابل حارقة ومعاول، وبدأوا بإحراق كازينو بديعة – كازينو أوبرا بعد ذلك – ثم أحرقوا سينما ريفولى، ثم سينما مترو، ومطعم اكسلسيور، وتوكيل سيارات، ثم سينما ديانا، ومطعم الكورسال، وفى الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر تم إحراق وإتلاف ونهب بنك باركليز قرب ميدان الأوبرا – القديم -، ثم محلات شيكوريل وجروبى، ثم فندق شبرد.
***
منذ الساعة السابعة والنصف صباحا كانت إدارة الأمن العام تبَّلغ وزير الداخلية (فؤاد سراج الدين) بما يجرى أولاً بأول. فى الثانية عشرة والنصف اتصل وزير الداخلية بقائد القوات المسلحة – الفريق محمد حيدر – وطلب منه نزول القوات المسلحة للسيطرة على الموقف، وكان رد الفريق حيدر أن الأمر يجب أن يصدر من جلالة الملك. وبعد نصف الساعة عاود سراج الدين الاتصال بالفريق حيدر فلم يعثر عليه فاتصل برئيس الديوان الملكى – حافظ عفيفى باشا – وأبلغه بالاستغناء عن نزول الجيش. وبعد ربع الساعة عاد وزير الداخلية يطلب نزول الجيش بعد أن أحرق المتظاهرون سينما ريفولى وسينما مترو، بينما رجال البوليس لا يقاومون. كان حيدر باشا وقتها جالسا إلى جانب الملك فاروق فى المأدبة التى دعا إليها فاروق قائد الجيش وكبار وصغار ضباط الجيش والبوليس، وكانت الدعوة قد أبلغت إليهم تليفونيا بدون بطاقات فى اليوم السابق فقط – الجمعة 25 يناير – ولم توجه الدعوة إلى كل من وزير الحربية ووزير الداخلية (!) وكانت الدعوة مقصورة على ضباط البوليس والجيش المسئولين عن القاهرة فقط. وفى الساعة الواحدة والربع دخل فاروق قاعة المأدبة مرتديا ملابس المشير ويبدو عابس الوجه. وبعد لحظات دخل القاعة أحد موظفى القصر حاملا ورقة مطوية سلمها إلى الفريق حيدر باشا الذى مال نحو فاروق ليقول له: وزير الداخلية يطلب نزول الجيش، فأجابه فاروق: أجلها إلى ما بعد الغداء!
انتهت الوليمة فى الثانية والنصف وانصرف الضباط دون أن يطلب منهم التوجه إلى ثكناتهم. وظل وزير الداخلية ينتظر فى مكتبه، وفى الثانية والنصف ذهب وزير الداخلية إلى قصر عابدين، وشرح خطورة الموقف لرئيس الديوان الملكى، وبعد ربع الساعة أبلغه رئيس الديوان أن الملك وافق على نزول الجيش. ومن قصر عابدين اتصل حيدر باشا بمكتب رئيس الأركان – الفريق عثمان المهدى – ولم يكن قد وصل إلى مكتبه بعد المأدبة، وبعدها اتصل به ثانية ليبلغه الأمر بنزول قوات الجيش. وكان لا بد من استدعاء القادة والضباط من بيوتهم.. وأخيراً فى الساعة الخامسة مساء – قرب الغروب – وصل إلى نقطة تجمع قوات الجيش – عند حديقة الأزبكية – مائة وخمسون جنديا زادوا بعد نصف ساعة فأصبحوا مائتين وخمسين جنديا، وانتشرت القوات، وما كاد المتظاهرون يلمحون عربات الجيش حتى راحوا يصفقون لها رافعين المعاول التى فى أيديهم، ولم يصدر إلى قوات الجيش الأمر بإطلاق النار فى الهواء، فاستمرت الحرائق حتى الساعة الحادية عشرة ليلا، وبعد ذلك صدرت الأوامر بإطلاق النار لتفريق المتظاهرين.
***
يذكر مرتضى المراغى أن المحل الوحيد الذى تم انقاذه كان كازينو الأوبرج فى شارع الهرم، وكان يملكه ادمون صوصة وهو من حاشية الملك، وكان من الأماكن التى تعود فاروق أن يقضى فيها سهراته آخر الليل. ويذكر المراغى أن الحرائق شملت كذلك محلات عمر أفندى بشارع عبد العزيز، وعمارة الشواربى، ومحلات شملا، وبنزايون، ومحلات شارع محمد على، ونادى شل الرياضى.
فى المساء أعلنت الأحكام العرفية ومنع التجول من المساء حتى الفجر، ونامت القاهرة ليلة حزينة، بينما سهر جنود الإطفاء يحاولون وقف سريان النار. وفى الصباح التالى بدا المشهد حزينا.. دمار وحرائق.. وشوارع وسط المدينة غارقة فى المياه التى صبتها خراطيم عربات الإطفاء على الحرائق.. وكردونات البوليس تحيط بالأماكن التى أصبح المرور فيها مستحيلا.. وكان إخلاء الشوارع من الأنقاض وآثار الدمار يحتاج إلى عدة أيام. فى مساء اليوم التالى – الأحد 27 يناير – أصدر فاروق المرسوم بإقالة حكومة مصطفى النحاس وعهد إلى على ماهر تشكيل الوزارة.
***
هذه هى الصورة كما سجلها مرتضى المراغى الذى أصبح وزيرا للداخلية فى اليوم التالى للحريق، ومن المدهش أنه عقد اجتماعا فور وصوله إلى الوزارة مع وكلاء الوزارة ومدير الأمن العام ومدير البوليس وحكمدار العاصمة ورئيس القسم السياسى، وبعد تحليل الأحداث لم يجد واحدا من هؤلاء يستطيع أن يعرف أو يحدد بالضبط من الذى أحرق القاهرة. وقال الحكمدار: لقد قبضنا على عدد من الذين اشتركوا فى الحريق، وحين سأل الوزير: كم واحد مسكتوهم أجاب: حوالى عشرين يا فندم.
بقية رواية وزير الداخلية – مرتضى المراغى – يقول فيها: جاءنى محمد إبراهيم إمام - رئيس جهاز المباحث - بتقرير يتهم الحزب الاشتراكى (حزب مصر القناة)، ورئيسه أحمد حسين بأنه هو الذى أحرق القاهرة وقدم رسما للمواقع التى أحرقت، وقال إنه تم العثور عليه فى مقر الحزب؛ وأحال وزير الداخلية الموضوع إلى النائب العام، وأثبت من التحقيق أن أحد ضباط القسم السياسى هو الذى حمل هذا الرسم إلى مطبعة فى حى الفجالة وطبع هذه الوثيقة المزيفة.. وكانت حكومة الوفد قد أمرت بالقبض على أحمد حسين ولم يستطع البوليس تنفيذ الأمر، لأنه هرب قبلها. كان أحمد حسين أذن متهما، كذلك كان الإخوان متهمين أيضاً لأنهم قاموا قبل ذلك بإشعال بعض الحرائق فى ملاهى الهرم، ولم يقبض على أحد منهم على الرغم من أنهم أعلنوا أنهم هم الذين أحرقوا هذه الملاهى. ووجد وزير الداخلية – مرتضى المراغى – أن تقارير البوليس والمباحث حول حريق القاهرة متضاربة، وذكرت بعض التقارير أن الشيخ محمد فرغلى - من زعماء الإخوان - كان يحرض المتظاهرين على حرق الفنادق ودور اللهو. وتقارير أخرى تؤكد أن بعض الشيوعيين اشتركوا فى المظاهرات وفى إشعال النار، أما المؤرخون والسياسيون فإنهم وجهوا أصابع الاتهام إلى أكثر من جهة، فمن الذى أحرق القاهرة؟ هذا هو السؤال الحائر منذ أكثر من نصف القرن عن جريمة معروفة والفاعل مجهول!
وإن كان الفاعل فى الحقيقة ليس مجهولا!

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف