السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

فاروق كان ملكا وليس ملاكاً ( 27 )

 

قصة اليخت «فخر البحار» واحدة من القصص الكثيرة التى تثبت أن الفساد فى عصر فاروق قد وصل إلى رأس الدولة ولم تعد هناك وسيلة للإصلاح. ففى سنة 1949 أراد فاروق أن يحصل من الدولة على أموال بالحيلة والاحتيال، فقرر أن يبيع اليخت «فخر البحار» إلى الحكومة، وهو يخت خاص اشتراه فاروق فى سنة 1943 بمبلغ 76 ألف جنيه. ووضع السيناريو كما يلى: تقدم السلاح البحرى بطلب شراء قطعة بحرية تصلح مدرسة للتدريب، بعد ذلك تقدم السلاح البحرى بطلب لشراء اليخت الملكى لأنه هو الذى تنطبق عليه المواصفات. وقدر الثمن بمبلغ 176 ألف جنيه، أى بزيادة حوالى 15% من الثمن الذى اشتراه به فاروق بعد استعمال ست سنوات.
وشكلت لجنة لفحص اليخت فقرر أنه صالح تمامًا للغرض وأن الثمن مناسب تمامًا، ولكن حدث أثناء ذلك خروج على النص، لأن رئيس اللجنة – القائمقام بحرى عز الدين عاطف كان على قدر من النزاهة والشجاعة بحيث أعلن أن اليخت لا يصلح للغرض المطلوب ولا توجد قوات بحرية فى العالم تشترى اليخوت، كما أن الثمن المقترح تم فرضه على اللجنة وهو لا يقبل إملاء عليه وضميره لا يسمح بذلك. لكن ذلك لم يغير من الأمر شيئًا، وهكذا كان الحال.. أن تذهب كلمة الحق أدراج الرياح وتنفذ إرادة الملك ولو كانت ضد المصلحة العامة!
رفضت استقالة القائمقام بحرى عز الدين عاطف لكيلا يخرج بطلاً وتنتشر الفضيحة، وصدر قرار بندبه بعيدًا عن السلاح البحرى كله وعين بدلاً منه من لا يعرف إلا السمع والطاعة، فتمت الصفقة ولم تتم القصة المخزية، لأن فاروق لم يسلم اليخت إلى السلاح البحرى بعد أن قبض الثمن كاملاً، فقد ظل محتفظًا به، وبذلك قام جلالته بعملية نصب حصل بها على 176 ألف جنيه من الحكومة مقابل لا شىء، مع ملاحظة أن الجنيه فى ذلك الزمان كان يساوى أكثر من مائة جنيه فى زماننا هذا.
وكانت لفاروق باخرة أخرى اسمها «المحروسة» عبارة عن يخت ملكى بنى سنة 1870 – وطلب فاروق فى سنة 1946 تجديد هذا اليخت، على أن تقوم البحرية البريطانية فى مالطة بالتجديد، فطلبت البحرية البريطانية 20 ألف جنيه مقابل عملية التجديد المطلوبة. لكن فاروق عاد وطلب من مجلس الوزراء الموافقة على صرف مليون جنيه – بالدولارات – إصلاح اليخت فى شركة إيطالية بالأمر المباشر، وكان لهذه الشركة سماسرة فى مصر منهم أنطون بوللى المسئول عن الشئون «الخصوصية» للملك، وأدمونو جهلان السمسار الخاص لصفقات فاروق ومنظم رحلاته وسهراته فى أوربا. وطلب فاروق من رئيس الوزراء – محمود فهمى النقراشى باشا – الموافقة وصرف المليون جنيه فلم يقبل النقراشى باشا أن يكون طرفًا فى هذه الصفقة التى لا يخفى الفساد فيها، وكتب إلى الملك خطابًا قال فيه: (فى الوقت الذى يشتد فيه التذمر من الفاقة التى تحيط بأفراد الشعب، فإن الناس لن يقبلوا منا التفكير فى مثل هذا العمل، ولذلك فإننى لا أستطيع – مادمت رئيسًا للوزراء – أن أوافق على طلب كهذا، واستقالتى بين يدى جلالتكم). وشاء القدر أن يتم اغتيال النقراشى قبل أن يتمكن فاروق من رد اللطمة إليه. وجاء إبراهيم عبد الهادى باشا رئيسًا للوزراء بعد النقراشى، وكان رئيسًا للديوان الملكى، فوافق من حيث المبدأ على طلب الملك مع إجراء مناقصة عالمية واستشارة خبراء عالميين فيما إذا كان شراء يخت جديد أنسب لخزانة الدولة من إصلاح المحروسة بهذا المبلغ الضخم المطلوب إصلاحها. وأطاحت العواصف بإبراهيم عبد الهادى، وجاء حسين سرى باشا رئيسًا للوزراء وهو الذى تمت فى عهده صفقة اليخت فخر البحار، ولكن وزارة حسين سرى استقالت بعد انتخابات جاءت بالوفد إلى الحكم.. ووافقت الحكومة الجديدة على صرف المليون جنيه، وأضافت عليها 20 ألف جنيه قالت إنها فرق العملة نتيجة ما حدث من تخفيض قيمة الجنيه المصرى.. تم ذلك وميزانية الدولة تعانى من عجز بلغ 16 مليون جنيه، وهو عجز يتحمل الشعب نتائجه بالتضخم ورفع الأسعار، ولم تكتف الحكومة بذلك بل منعت مصلحة الضرائب من مطالبة (الخاصة الملكية) بضريبة الإيراد العام المستحقة عليها وكانت تقدر بالملايين. وهكذا لم يكن يدفع الضرائب إلا المواطنون الذين لا سند لهم.
***
حدث ذلك سنة 1950. وفى نفس السنة طلب فاروق من الحكومة أن تصرف له مخصصاته لمدة سنة كاملة وتحويله إلى دولارات وإيداعه فى أحد بنوك أمريكا.. بادعاء أنه يمر بظروف مالية صعبة وهو أغنى أغنياء مصر وواحد من أغنى أغنياء العالم!
وأراد فاروق أن يكمم الصحافة بقانون لكى يحجب عن الشعب ما كانت تنشره عن الفساد.
وفى صحف سنة 1950 وما بعدها نجد صورة لما وصلت إليه الأحوال فى مصر فى عهد فاروق فى كافة المجالات وليس فى مجال المال فقط. نجد أحمد حسين فى صحيفة الاشتراكية يعترض على محاولة تكميم الصحافة بقانون فيكتب فى مقال بعنوان «إلغاء الصحف يساوى إلغاء الحكم» يقول فيه: (دعونا نحاربكم بالقلم وإلا حاربكم غيرنا بالقنابل) ويضيف: (كنا نظن أن هذه الصيحة الصادقة التى لا تحوى إلا تحذيرًا أمينًا ستجد صداها لدى الحكام فيدركون أن النقد مهما كان مرًا فهو الصمام الذى يسمح للشعب بأن يتنفس وبأن يعبر عن عواطفه المكبوتة. كنا نظن أن الحكام لن ينسوا أبدًا أن كل الجرائم السياسية فى مصر قد وقعت فى ظل صحافة مقيدة ومقهورة وكتب فتحى رضوان فى اللواء الجديد مقالاً بعنوان (مذبحة الصحافة) يقول (نعم إنها مذبحة.. لقد خرج الجزارون منهم من يضع سكينه وراء ظهره، ومنهم من يظهرها ويباهى بها الناس.. ولقد نفد صبر الجزارين، فإن الصحافة تدعو إلى حق، وهم يقيمون حياتهم على باطل، والصحافة تدعو إلى حرية، وإلى كرامة، وإلى احترام الدستور، وهم غارقون فى دماء الحرية، وفى دماء الكرامة وفى دماء الدستور..) وكتب مصطفى مرعى – أحد أبطال حرية الرأى فى ذلك الزمان- فى صحيفة اللواء الجديد يوم 26 يونيو 1951 مقالاً عن اليخت «فخر البحار» قال فيه: (كان هذا اليخت ملكًا خاصًا لجلالة الملك، ثم رأى أن يبيعه فاشترته حكومته، لا ليكون فى خدمة جلالته ولكن ليكون وحدة من وحدات الأسطول البحرى المصرى. والمعروف أن الرحلة التى يقوم بها صاحب الجلالة الملك الآن فى إيطاليا هى رحلة خاصة لا تتصل بشئون الدولة ولا تتعلق بها، فهل يجوز مع ذلك استعمال هذا اليخت فى هذه الرحلة، وعلى من تقع تكلفته ونفقاته، أعلى الدولة أم على خاصة جلالة الملك؟. هذا سؤال خليق أن يُسأل من الناحية الدستورية، وهو سؤال لا تطفل فيه ولا تهجم، لأن مال الدولة ليس مال الملك. كما أن مال الملك ليس مال الدولة. وقد رسم الدستور حدودا فاصلة بين المالين.. والملك غنى بماله عن مال أمته، وأن تأخذ منه الأمة فوق حقها أفضل من أن يأخذ منها فوق حقه.. والسهر على مال الأمة ورعايته أمر منوط بالحكومة تحت إشراف البرلمان..) هكذا وصل الضيق فى صدور الأحرار إلى المجاهرة بالاعتراض، بل إلى التحدى.
وكتب أحمد حسين فى (الاشتراكية) عدد 29 يونيه 1951 تحت عنوان (طلائع المد الثورى) يقول: (أيها الكبراء.. أيها الوزراء.. أيها الأغنياء.. إننى لكم نذير. فالثورة آتية لا ريب فيها إذا استمر الحال على هذا المنوال). وكتب تحت عنوان (عصابة الرأسمالية ترفع رأسها: (قيل إن توجيهًا ملكيًا صدر للوزارة بمناسبة تعديل الضرائب بعرض هذه الضرائب على المجلس الاقتصادى الاستشارى الأعلى.. وهذا المجلس يتألف من حسين سرى باشا الذى تؤجره الشركات الأجنبية ليكون سبيلها لاستغلال المصريين واستثمارهم، وحافظ عفيفى (باشا) وهو الرجل الذى يرأس إدارة أربعين شركة لمجرد أنه رئيس بنك مصر، وأحمد عبود (باشا) رب المال فى مصر، وأمين يحيى باشا هو رب آخر فى دنيا الوثنية الرأسمالية.. ومسيو فنسينو ممثل الرأسمالية الفرنسية فى مصر باعتباره رئيس البنك العقارى.. فالمجلس الاقتصادى الاستشارى الأعلى إنما يتألف من كبار الرأسماليين الذين تضج البلاد منهم والذين اتخذوا من هذا الشعب عدوًا لهم فلا همّ لهم إلا أن يستغلوه على أية صورة لهدف واحد أن تزيد ملايينهم وتتضاعف ولو كان فى هذا موت الشعب وفناؤه..) وكتب فى 18 مايو 1951 مقالاً بعنوان: (رب السجن أحب إلىّ) يقول فيه: (أكتب هذه السطور وعندما يطالعها القراء أكون قد وقفت بالأمس أمام محكمة الجنايات لأحاكم بتهمة العيب فى الذات الملكية ولعشرات أخرى من التهم ما بين تحريض على الثورة، وبُغض الطوائف الرأسمالية، وإهانة وسب (كريم ثابت) و(حسين سرى) و(أنطونيو بوللى) وأمثالهم.. ونحن نحارب الإخلال بالقانون والعبث به.. كل ما فى الأمر أن الحكام وولاة الأمور يتصورون أنهم فوق القانون وفوق الدستور وكل ما يفعلونه يصبح قانونًا، ونحن لا نعرف كبيرًا ولا صغيرًا أمام القانون، ولا نعرف لأحد مقامًا يحفظ عليه إلا أن يكون خادم القانون والدستور، فإذا خرج على الدستور والقانون، أو ظن أن إرادته ومشيئته هى القانون فهو فى هذه الحالة خارج على القانون ونحن عندما نرده إلى جادة الصواب نكون الحفظة على القانون).
هذا بعض ما كان يحدث ويقال.. وهناك ما هو أكثر.
لقد كان فى مصر فساد بلغ الذروة.. وكان فى مصر رجال بلغوا القمة!

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف