السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

فاروق كان ملكا وليس ملاكاً ( 39 )

يحاول البعض أن يكملوا رسالة المسلسل التليفزيونى عن الملك فاروق بتجميل صورته.. يقول هؤلاء إن عصر فاروق كان عصر الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وإن مصر فى ذلك العصر كانت تسير على طريق التحديث والتقدم والاستنارة بخطى واسعة!.. ولا أعرف ما هى الدوافع التى تجعل هؤلاء يساهمون فى تزوير التاريخ واستغلال جهل الأجيال الجديدة بحقائق التاريخ. فى عصر فاروق كانت الأمراض المتوطنة منتشرة بين ملايين الفلاحين ولم يكن أى فلاح يخلو من مرض البلهارسيا أو الانكلستوما بالإضافة إلى أمراض أخرى، ولم يكن فى الريف المصرى كهرباء أو مياه نقية، وكان الفلاحون يستخدمون (لمبة الجاز) للإضاءة لهم، ويشربون من مياه الترعة، وكانت جميع شركات التأمين والشركات التجارية وجميع البنوك مملوكة للأجانب فيما عدا بنكا واحدا هو بنك مصر الذى أسسه الاقتصادى الوطنى العظيم طلعت حرب..
وكان الأجانب بالإضافة إلى ذلك يتحكمون فى البورصة وفى شركات التعدين، وكان الوزراء وكبار المسئولين فى الدولة من أصحاب الثروات وكبار الإقطاعيين والسماسرة، وكان الأغنياء أغنياء جداً، والفقراء فقراء جداً.
***
وعندما قدم المهندس إبراهيم شكرى عضو مجلس النواب مشروع قانون لتحديد الملكية الزراعية وإعادة توزيع الأراضى على المعدمين لتخفيف حدة التوتر الاجتماعى، رفض مجلس النواب هذا الاقتراح،وكان ذلك طبيعيا، لأن أعضاء مجلس النواب، ومجلس الشيوخ،ومجلس الوزراء، وزعماء الأحزاب، كلهم من كبار ملاك الأراضى وبالتالى فإن مؤسسات الدولة كانت مسخرة لحماية الظلم الاجتماعى وليس لتحقيق العدالة الاجتماعية التى يتحدثون عنها.
وعندما طرح على البرلمان مشروع قانون للتعليم الأولى ينص على أن التعليم الأولى إلزامى ومجان، واعترض النواب وقال بعضهم إن تعليم أبناء (الرعاع) يمثل خطرا يهددد المجتمع لا تحمد عقباه، وطالبوا بأن يقتصر التعليم عموما على أبناء القادرين، وقال أحد النواب –كما هو مسجل فى مضبطة مجلس النواب- إن التعليم سوف يفسد أبناء الفلاحين ويجعلهم يقلدون أبناء المدن، ووصل فى سخريته إلى القول بأن التعليم سيجعل أبناء الفلاحين يذهبون إلى الحقول لنقاوة الدودة وجمع القطن وبقية أعمال الفلاحة وهم يلبسون الأحذية والبلاطى ويذهبون إلى الغيط راكبين الدراجات بدلا من ركوب الحمير أو السير على الأقدام، وربما يطالبون بركوب السيارات لتنقلهم إلى الحقول، وقال نواب آخرون إن تعليم أبناء الفلاحين الجغرافيا والتاريخ وغيرهما من العلوم، لا يفيدهم فى شىء، والأفضل لهم أن يتعلموا الفلاحة والخدمة فى الأرض ومقاومة الدودة، واتفق معظم النواب على أن التعليم سوف يفسد أبناء الفلاحين فيتحول أصحاب الجلاليب الزرقاء إلى لبس الجلابية المكوية والأحذية وربما البنطلون أيضاً!، ويذكر المؤرخ الكبير الدكتور رءوف عباس أمثلة أخرى كثيرة للدلالة على غياب العدالة الاجتماعية فى عهد فاروق وكيف كانت الطبقة الحاكمة لا هم لها إلى جمع الثروات بالاستغلال والرشوة وكل صور الفساد السياسى والاقتصادى، وتؤمن بأن بقاء الطبقات الفقيرة فى حياة الفقر والجهل والمرض ما يضمن استمرار مصالحها.
***
وصل نظام الحكم تدريجيا إلى حالة من الانهيار سنة بعد سنة، إلى أن جاء عام 1952 وهو يحمل إرهاصات الثورة.. الغضب الشعبى وصل إلى مداه.. الظلم الاجتماعى لم يعد محتملا.. الغلاء تزايد الفقر والبطالة وتزايد الفساد، وخضوع الحكام للاحتلال حتى أصبحت للسفير البريطانى فى مصر الكلمة العليا فى حكم البلاد واختيار الحكومات وفرض القرارات التى تخدم المصالح البريطانية، وفوق كل ذلك انهيار الحياة السياسية، وزارة على ماهر تسلمت الحكم يوم 27 يناير 1952 وتركت الحكم بعد 33 يوما فقط وخلال هذه الفترة حدث تعديل وزارى يوم 7 فبراير –أى بعد عشرة أيام من بدء عمل الوزارة- وبعد 33 يوما جاءت وزارة أحمد نجيب الهلالى فى أول مارس 1952 وخرجت يوم 28 يونيو- أى أنها استمرت فى الحكم مدة تقل عن أربعة شهور.
وكان نجيب الهلالى قد أعلن أن وزارته ستكون وزارة الحرب على الفساد وبدأ فعلا حملة تطهير واسعة بالتحقيق مع أعداد كبيرة من كبار وصغار الموظفين فى الوزارات والمصالح وأجهزة الحكومة، وقامت بإحالة بعضهم إلى التقاعد وإحالة البعض الآخر إلى المحاكمة التأديبية، ولم يستطع فاروق أن يحتمل أصوات النقد والمعارضة لسياساته التى سببت الضرر للبلاد سياسيا واقتصاديا فأصدر مرسوما بحل مجلس النواب فى 24 مارس 1952 نص على أن تجرى انتخابات فى 18 مايو لاختيار مجلس نواب جديد ولكنه بعد ذلك فى خطوة تدل على التخبط فى القرارات والسياسات والاستهانة بالشعب وحقوقه قرر تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، وهكذا تعطلت الحياة النيابية فى البلاد فى الفترة التى يدعى مزورو التاريخ أنها كانت فترة ازدهار الديمقراطية فى مصر.
ولذلك عندما قامت الثورة فى 23 يوليو لم يكن فى البلاد مجلس نواب ولا مجلس شيوخ، وجاءت وزارة حسين سرى فى يوليو 1952 وخرجت يوم 22 يوليو –أى أن عمرها فى الحكم كان 20 يوما فقط!- وكان وزراء حسين سرى بلا خبرة سياسية ولم يسبق لهم الاشتغال بالسياسة ولم يكن الشعب يعرفهم، ولذلك لم يحسنوا تقدير الموقف السياسى فى البلاد، ولم يدركوا ما تدل عليه المظاهرات والاحتجاجات والحملات الصحفية من فساد الحكم.. لم يدركوا أن كل ما حولهم ينذر بقرب قيام ثورة، حتى عندما تم إبلاغهم بمعلومات عن تحركات الضباط الشبان لم يحسنوا تقدير معنى وأثر هذه الحركات، كان الاستهتار سيد الموقف والاستهانة والغرور هما المسيطران على كل الجالسين فى مقاعد الحكم وأولهم فاروق، كان فاروق قد وصل إلى درجة من (العمى السياسى) الذى يصيب الحاكم المطلق دائماً فيظن أن نظام حكمه راسخ رسوخ الجبال ويستحيل أن ينقلب عليه أحد مهما يكن.
وبلغ به الحال إلى حد الشعور بأنه يستطيع أن يفعل ما يشاء دون حسيب أو رقيب، ودون أن يعمل حسابا لردود الفعل الشعبية.. كان قد وصل إلى درجة يستهين فيها بالشعب، وبالأحزاب، وبالمثقفين.. درجة يشعر فيها أن البلد ليس فيه شعب.. ليس فيه إلا فاروق الأول ملك مصر الذى ينحنى أمامه باشوات وزعماء البلد ويلتمسون من (جلالته) أن يسمح لهم بتقبيل (يده الكريمة).
وفيما يعتبر تحديا لمشاعر الشعب والزعماء قرر تعيين كريم ثابت وزيرا للدولة فى وزارة حسين سرى وهو من الحاشية التى تحيط بأفرادها الشبهات والاتهامات بالفساد واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع وإفساد الملك. وهؤلاء كان الشعب والزعماء.. يشعرون تجاههم بالكراهية، وكان معروفا أن كريم ثابت هو النديم والمرافق لفاروق فى السهرات والمغامرات الخاصة جداً.. وبعد ذلك عين إسماعيل شيرين.. زوج اخته فوزية.. وزيرا للحربية وهو لا يعرف شيئاً عن أحوال الجيش والقيادة والحرب وليس محبوبا من الجيش، لكنه التحدى وغرور القوة.
ولم يدرك فاروق معنى التحدى له شخصيا من الضباط كما أعلنوا فى انتخابات نادى الضباط بسقوط قائمة مرشحى الملك ونجاح قائمة تنظيم الضباط الأحرار وفوز محمد نجيب برئاسة مجلس الإدارة على غير إرادة الملك، وبدلا من معالجة الموقف بحكمة أمر فاروق القائد العام للجيش –حيدر باشا- بحل مجلس إدارة النادى ونقل أعضائه إلى مواقع نائية، وسارع الفريق حيدر بتنفيذ (الأمر الملكى) فقرر محمد نجيب الاستقالة واشتدت بذلك الأزمة وحين أدرك رئيس الوزراء –حسين سرى- خطورة الموقف طلب من الملك تعيين محمد نجيب وزيرا للحرببية لامتصاص غضب الضباط فرفض فاروق واستمر فى الرفض، ولم يجد حسين سرى أمامه إلا أن استقال يوم 20 يوليو 1952 –أى قبل قيام الثورة بيومين- وجاءت وزارة نجيب الهلالى ثانية يوم 22 يوليو 1952 وقامت الثورة فى هذه الليلة.
فاروق أشعل نار الغضب فى المجتمع، ومهد الطريق أمام الثورة.

7/9/2008

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف