السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

سر الصين العظيم!

أظهرت الأزمة الاقتصادية العالمية حقيقة ما وصل إليه الاقتصاد الصينى من قوة واستقرار حتى أنها أقل الدول تضررا من هذه الأزمة. فهى اليوم تملك أكبر رصيد من العملات الأجنبية بينما الولايات المتحدة اليوم هى أكثر الدول من حيث حجم ديونها الخارجية.. لقد تأثرت الصين من الأزمة العالمية ولكنها كانت الأقدر على التعامل مع هذه الأزمة.. تأثراقتصادها المصرفى، وتأثرت صادراتها إلى الدول الخارجية وخصوصا إلى الولايات المتحدة – أكبر مستورد من الصين – ولكنها استطاعت – وبسرعة – رصد أكثر من نصف تريليون دولار لتنشيط السوق الداخلية، بإنشاء المزيد من المشروعات العامة والخدمات، وقررت زيادة مساعدتها الخارجية إلى دول العالم الثالث منها 500 مليون دولار لباكستان.. ولا يزال الاحتياطى النقدى يزيد على تريليونى دولار.. وبالمناسبة فإن العجز لدى الحكومة الأمريكية بلغ عشرة تريليونات دولار وزاد العجز السنوى على 500 مليار دولار.. ولهذا تمارس الدول والمنظمات العالمية الضغوط على الصين لتزيد دورها فى إنقاذ النظام المصرفى العالمى وتقديم المزيد من المعونات إلى صندوق النقد الدولى.
هذا ما نشرته الصحافة الأمريكية فيما يعكس الغيظ الأمريكى مما حققته الصين من صعود مستمر على عكس ما حدث فى الولايات المتحدة فى ظل إدارة بوش من تراجع لم يسبق له مثيل.. فقد ظلت ميزانية الحكومة الصينية فى سنوات حكم بوش تحقق فائضا بينما ظلت ميزانية الحكومة الأمريكية تحقق عجزا يزيد على 500 مليار دولار كل سنة.
كيف حققت الصين هذه القفزة الهائلة فانتقلت من بلد متخلف غارق فى الجهل والخرافة والفقر إلى بلد متقدم علميا وصناعيا وتجاريا، حتى أنها أذهلت العالم فى المعرض الدولى لتكنولوجيا المعلومات الأخير بما قدمته من منتجاتها فى صناعات تكنولوجيا المعلومات والكمبيوتر والبرمجيات وشبكات الانترنت والوسائط المتعددة والجيل الثالث من التليفون المحمول، وكلها من تصميم وإنتاج العلماء والمهندسين والعمال الصينيين.. من الألف إلى الياء، بالإضافة – طبعا - إلى ما حققته الصين من إنشاء المفاعلات النووية، وإنتاج الصواريخ والأقمار الصناعية والطائرة بدون طيار والغواصات التى تعمل بالطاقة الذرية.. ولا داعى لذكر بقية ما تنتجه الصين، فأسواق العالم – دون استثناء – تغزوها منتجات الصين بحسب مواصفات واحتياجات كل بلد، ابتداء من المنتجات الرخيصة المصنوعة من خامات رديئة والمخصصة لأسواق الدول الفقيرة، إلى المنتجات الجيدة الأعلى سعرا والمصنوعة وفقا للمواصفات الأوروبية والأمريكية، وأسواق أوروبا وأمريكا مليئة بهذه النوعية من المنتجات التى تنافس المنتجات الأوروبية والأمريكية.
***
كيف حققت الصين كل هذا؟
سؤال تقليدى يردده السياسيون والمفكرون فى العالم بحثا عن (الوصفة السحرية) التى حققت الصين بها ما صار يعرف باسم (المعجزة الصينية)، مع أنه ليس فى الأمر معجزة، وما فعلته الصين يمكن أن تفعله أى دولة من دول العالم الثالث إذا توافرت لها القيادة السياسية التى تملك الطموح والإرادة والقدرة على حشد طاقات شعوبها وراء هدف قومى واضح ومحدد. وإذا استطاعت القضاء على الفساد أو محاصرته على الأقل، وإذا كان لديها العزيمة والصبر لتنفيذ مخطط طويل الأجل، فالصين لم تحقق هذه الطفرة فى يوم وليلة، ولكنها أمضت سنوات صعبة أرسلت فيها الآلاف من خريجى الجامعات لاستكمال دراساتهم العليا فى التخصصات العلمية والتكنولوجية الحديثة فى جامعات أوروبا وأمريكا، حتى بلغ عدد العاملين فى ميادين العلوم والتكنولوجيا فى الصين الآن أكثر من مليونين و100 ألف منهم مليون ونصف المليون من الباحثين والمهندسين. وأصبح الإنفاق الحكومى على مراكز ومعامل البحث العلمى أكثر من 16 مليار دولار سنويا، وحددت الحكومة هدفا لكل مرحلة، فكان الهدف أن تتمكن الصين فى عام 1999 من إطلاق أقمار صناعية من إنتاجها 100% وتحقق ذلك فى موعده بإطلاق أربعة أقمار صناعية بنجاح. وكان الهدف أن تطلق الصين أول سفينة فضاء لكى لا تحتكر أمريكا وروسيا الفضاء – وفعلا أطلقت القمر الصناعى (شين تشو) صناعة صينية 100% ، بل ونجحت فى إرسال إنسان إلى الفضاء فى عام 2005 وأصبحت بذلك ثالث دولة – بعد أمريكا وروسيا – ترسل إنسانا فى رحلة إلى الفضاء ويعود سالما، وأطلقت قبل ذلك سفينتى فضاء تحملان حيوانات وعادتا سالمتين.
***
وفى زيارتى الأخيرة للصين أردت مشاهدة وادى السيلكون، ففوجئت بأن الصين ليس فيها واد واحد للأبحاث والاختراعات والصناعات التكنولوجية تعمل فيها مراكز البحث العلمى والجامعات والمصانع فى شركة كاملة، ولكن فيها عدة أودية تكنولوجية ولذلك فإنك تجد فى وادى السيلكون فى مدينة (تشنجرو) مثلا عدة مصانع ضخمة لإنتاج الأدوية الحديثة، وبجانبها معهد لأبحاث العقاقير والأدوية، ودراسة استخلاص الأدوية من الأعشاب الطبية التقليدية، وفى هذا الوادى أيضا مركز للتجارب الذرية، ومصانع لإنتاج قطع غيار السيارات والدراجات البخارية، و846 مصنعا أنشئت باستثمارات أجنبية، لأن الصين لا تسمح بالاستثمارات الأجنبية إلا فى إنشاء مصانع لمنتجات تكنولوجية حديثة لتسهم فى تطوير التكنولوجيا الصينية.
وتنفذ الصين برنامجا للخصخصة ولكنها تبيع حق الانتفاع بالمصانع والشركات المباعة ولا تسمح ببيع الأرض والأصول.. وفى وادى السيلكون فى مدينة (تشنجرو) خمس كليات للدراسات العليا فى مجالات التكنولوجيا الحديثة، وفيه أكبر شركة متخصصة فى شراء حقوق الملكية الفكرية من الشركات العالمية لكى تنتجها الشركات الصينية بأيدى الصينيين، وهذا مجرد مثال واحد.. ويمكن أن نتحدث عن مثال آخر فى مدينة (شنيانج) حيث مصانع إنتاج الطائرات المقاتلة، ومصانع لإنتاج محولات الكهرباء العملاقة، ومصانع لإنتاج الإنسان الآلى (الروبوت)، وحيث أنشئت فى هذه المدينة 22 كلية ومعهدا منها 13 للعلوم الطبيعية و29 مركزا للبحوث.. وهذه المدينة تحصل دائما على المركز الأول فى عدد براءات الاختراع التى سجلتها وحولتها إلى منتجات جديدة، وتبلغ قيمة صادرات هذه المدينة من المنتجات التكنولوجية أربعة مليارات دولار سنويا.. وقيل لى إن شركة واحدة فيها تنتج ثمانية ملايين جهاز تكييف سنويا بالتعاون مع شركة يابانية كبرى وبلغت صادراتها ثلاثين مليون دولار سنويا، بالإضافة إلى صناعات الكيمياء الحيوية والهندسة الوراثية والأجهزة الكهروميكانيكية.
ومن أجمل ما سمعته هناك ما قاله أحد المهندسين: (إن الصين تعتمد على العقول أكثر مما تعتمد على الأموال والآلات) وهذا هو مفتاح السر فى الصين: الإنسان المتعلم تعليما جيدا هو الذى يصنع التقدم ويبنى الصين الحديثة، ولذلك يركزون على تحديث التعليم فى المدارس والجامعات ويرسلون إلى الخارج آلافا من الخريجين للدراسات العليا لكى تتواصل الصين مع أحدث ما فى العصر من علوم وتكنولوجيا
***
وتعرف (السر) أيضا فى المثل الصينى القديم الذى يقول: إنك تحتاج إلى عشر سنوات لإنشاء غابة، ومائة سنة لبناء إنسان، ويقصدون بذلك أن بناء الإنسان مشروع طويل المدى ومستمر مدى الحياة ولا يتوقف أبدا.. أى أنه عمل بلا نهاية لأن تطور الحياة لا يتوقف أبدا، ويقول لك من تقابله من المسئولين فى الصين: (إن كل الدول هدفها أن يكون لديها اقتصاد قوى، ولكن كيف يكون الاقتصاد قويا بدون امتلاك قوة العلم؟ وكيف تتحقق القوة العلمية بدون البدء ببناء الإنسان؟
قال لى المدير العام لمركز العلوم والتكنولوجيا فى مدينة (زوشنشنج): إن مؤسسات البحث العلمى تعمل وهى مدركة بأنه ليس لديها وقت تضيعه وعليها الإسراع فى العمل لتقليل الفجوة بين الصين – كدولة نامية – وبين الدول المتقدمة .. ولذلك فنحن نجرى ونلهث.. ولا نتوقف أبدا على الرغم من الصعوبات التى تواجهنا فى الحصول على التكنولوجيا الحديثة وعلى حقوق الملكية الفكرية من الدول المتقدمة التى تحرص على احتكار عوامل التقدم العلمى والاقتصادى والتكنولوجى، ونحن نعمل على كسر هذا الاحتكار.
سر الصين العظيم يتلخص فى: الإدارة.. التخطيط.. الإرادة السياسية.. التركيز على بناء الإنسان وعلى البحث العلمى.. وكلها فى نطاق الممكن لمن يريد.. وليس فيها معجزات أو خوارق كما يتصور الكسالى!

30/11/2008

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف