السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

لماذا يكره العالم أمريكا؟

منذ سنوات والأمريكيون يتساءلون: لماذا يكرهنا العالم؟.. ويتردد هذا السؤال على لسان السياسيين والمعلقين، ويشغل كثيرا من مراكز الأبحاث المشهورة فى أمريكا، بالإضافة إلى عشرات الكتب التى صدرت داخل أمريكا وفى دول أوربا حول هذا الموضوع.

واختلفت الإجابات.. كانت إجابة الرئيس جورج بوش: أن العالم يكرهنا لأننا أغنياء ومتفوقون وهم يحقدون علينا.. وإجابة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد التى أعلنها فى أعقاب 11 سبتمبر: أن العالم يكرهنا لأننا أقوياء.. وهكذا تعددت واختلفت الإجابات، ولكن لم يختلف أحد فى أن العالم يكره أمريكا!

وفى فرنسا صدر مؤخرا كتابان فى هذا الموضوع: الأول بعنوان (معاداة أمريكا) تأليف جان فرانسوا ريفيل، والثانى بعنوان (العدو الأمريكى) تأليف فيليب روجر، وكتب عنهما المفكر الاستراتيجى الأمريكى والتر راسل ميد الخبير البارز فى مجلس العلاقات الخارجية، عرضا فى مجلة (فورن أفيرز) الأمريكية عدد  مارس-أبريل 2003 فقال: إن الدول والشعوب تشعر بالكراهية لأمريكا بسبب سياسة الهيمنة والحروب، ولكن فرنسا رغم تفوقها لا تزال هى أكثر الدول تعبيرا عن معاداة أمريكا والمفكرون الفرنسيون يعبرون عن ذلك بكل وضوح، وهذه الظاهرة تتصاعد رغم أن فرنسا هى أكثر الدول التى استفادت من مظلة الأمن الأمريكية فى القرن العشرين، وبالرغم من أن الهيمنة الأمريكية لم تكن قيدا يحد من حرية فرنسا فى العمل على النطاق الدولى، وبالرغم من أن أمريكا منحت فرنسا مقعدا دائما فى مجلس الأمن يعطيها حق الفيتو.

ويقول المفكر الاستراتيجى الأمريكى والتر راسل: إن العداء لأمريكا منتشر فى أنحاء العالم، وفى فرنسا، وإن كان الأمريكيون مهتمين بالموقف الفرنسى من الحرب فى  العراق، ولذلك يجد كتاب المفكر الفرنسى المتميز جان فرانسوا ريفيل (معاداة أمريكا) اهتماما كبيرا فى أمريكا، وهو يفسر هذا العداء بأنه نتيجة لإخفاق فرنسا فى الوصول إلى ما وصلت إليه أمريكا من قوة، وكذلك يهتم الأمريكيون بكتاب المفكر الفرنسى فيليب روجر (العدو الأمريكى) الذى يتتبع التطور التاريخى للخطاب العدائى لأمريكا فى فرنسا على مدى 200 عام من الجناحين: اليمين واليسار، وهذان  الكتابان ضمن سلسلة من الكتب والدراسات تسهم فى  الحوار الدائر فى فرنسا، ولكنهما يبحثان أثر العداء الفرنسى لأمريكا على فرنسا ذاتها، ولا يبحثان أثر هذا العداء على أمريكا، كما لا يبحثان ماذا يجب على أمريكا أن تفعله لتخفيف حدة الشعور العميق المعادى لها والمنتشر فى  العالم، وما أنجزه الكتابان هو تحديد وتعريف خطاب العداء لأمريكا الذى يعبر عن مجموعة من الأفكار والمفاهيم تبلورت مع الزمن وأصبحت وجهة نظر عالمية، وعلى ذلك فإن المعاداة لأمريكا ليست مجرد معارضة سياسة أمريكا، ولكنها موقف قائم على أساس أن الولايات المتحدة خطر على كل ما يتمسك به ويعتز به الآخرون، وإن كان عداء فرنسا لأمريكا يرجع إلى أسباب تاريخية لأن أمريكا أحبطت وهددت وأضعفت فرنسا، وكانت المعاداة لفرنسا فى أمريكا غامضة وتظهر فى فترات معينة، لأن فرنسا لم تكن تمثل فى عيون الأمريكيين سوى شىء مزعج، أما معاداة أمريكا عند فرنسا فهى نتاج صراع اقتصادى، وسياسى، وثقافى، وتشعر فرنسا بأنها هى الخاسرة فى هذا الصراع، ولذلك فإن شعور العداء فيها كبير، أما عداء أمريكا لفرنسا فهو أقل لأن المنتصر لا ينشغل كثيرا بمن يخسر، وقد تعرضت موازين القوة فى  العالم لتقلبات منذ القرن الثامن عشر، فكانت فترة الثورة الأمريكية هى فترة الود بين فرنسا وأمريكا، ولكنها كانت فترة قصيرة، كانت فرنسا وقتها تسعى إلى الانتقام من بريطانيا بعد الإهانات التى لحقت  بها فى حرب السنوات السبع، وفشل الفرنسيون فى إنشاء امبراطورية لهم باحتلال أمريكا، وفازت بريطانيا باحتلال أمريكا، فأصبحت فرنسا حليفا لأمريكا ضد بريطانيا التى كانت فى ذلك الوقت هى العدو المشترك، وبعد حصول أمريكا على الاستقلال رفضت مناصرة فرنسا ضد بريطانيا أثناء حروب فرنسا، وازدادت العلاقة سوءا بعد إعلان مبدأ مونرو وكان يتضمن تحالف أمريكا وبريطانيا لمنع تدخل القوى الأوربية فى شئون أمريكا،  وكان التقارب بين أمريكا وبريطانيا مقابل تباعد أمريكا عن فرنسا حتى قال كاليران: (لم أجد رجلا بريطانيا واحدا فى أمريكا لا يشعر  بأنه فى وطنه وهو بين الأمريكيين، ولم  أجد رجلا فرنسيا واحدا  لا يشعر بأنه غريب وهو بينهم)، ثم جاءت الصدمة الحقيقية عام 1898حين شنت أمريكا الحرب على أسبانيا، واعتبرت فرنسا ذلك بداية لحرب أمريكية على أوربا.. حرب بين العالم الجديد والعالم القديم.. وكانت أمريكا أكثر قوة وقسوة وإصرارا، وامتد مبدأ مونرو لمنع المستعمرات الأوروبية فى آسيا وأفريقيا، وبدأت تهيمن على العالم سيادة أنجلوسكسونية، وأصبحت القوة فى يد الأمريكيين الذين يثيرون الخوف لأنهم الأكثر قوة والأقل تحضرا.

***

ولم يكن ذلك كل ما فى الأمر، فلم تكن القوة الأمريكية قوة سياسية طبيعية معادية فحسب، ولكن قوة أمريكا الاقتصادية أصبحت تهدد فرنسا على جبهات متعددة، والليبرالية الأمريكية البريطانية المطلقة قدمت لفرنسا خيارات كريهة: إما المسايرة  والتكيف وإما التخلف،وكان اليمين واليسار فى فرنسا ينظران إلى أمريكا على أنها بلد الرأسمالية المتوحشة ولا تزال هذه النظرة سائدة فى فرنسا حتى الآن، ويكرر المعلقون الفرنسيون تعبيراتهم عن أمريكا على أنها مجتمع غير إنسانى، قائم على السوق والمنفعة، ولا يهتم بالإنسان، وارتبط الأمريكيون واليهود معا فى الذهن الفرنسى. والمعادون للسامية يشعرون دائما بالخطر من اليهود، فقد أصبحوا يشعرون بالخطر أيضا من أمريكا ويرددون أن أمريكا أرض المهاجرين الذين ليست لهم جذور فى هذا الوطن، وأنها بلد الرأسمالية غير الأخلاقية، ومن الفرنسيين من يعتقد أن اليهود كان لهم دائما تأثير فى توجيه السياسة الأمريكية، وهم الذين جعلوا الرئيس الأمريكى ويلسون يتأخر فى دخول الحرب العالمية الأولى ويرفض مساندة فرنسا فى مؤتمر مرسيليا للسلام، وازداد قلق الفرنسيين من اشتداد تأثير اليهود  الألمان الذين أحاطوا بالرئيس الأمريكى روزفلت وكان لهم تأثير كبير عليه، ونشأ جيل من الفرنسيين ينظر إلى العم سام على أنه العم شيلوك، وساهم فى ذلك تشدد أمريكا تجاه ديون فرنسا من الحرب العالمية الأولى، واعتقاد الفرنسيين بأن اليهود هم الذين يسيطرون على النظام المالى والاقتصادى فى أمريكا، وطوال القرن العشرين تتردد فى فرنسا أصداء الهجوم على الهيمنة الفاسدة لمجموعة المليارديرات اليهود غالبا على مؤسسات أمريكا المالية والسياسية، وبعد أن كانت المخاوف الفرنسية من بريطانيا أصبحت هذه المخاوف من أمريكا، والمعاداة للأمريكيين والبريطانيين متغلغلة فى الفكر والثقافة والتاريخ الأوربى منذ أصبح البريطانيون فى القرن السابع عشر هم القوة البروتستانتية، الرأسمالية، الليبرالية المسيطرة  على البحار، ثم جاءت الإهانات والانتكاسات التى عانت منها فرنسا فى القرن العشرين على يد الأمريكيين لتزيد الشعور بالألم وتجدد الجروح القديمة التى تسبب فيها البريطانيون فى القرنين 18و19، فالبريطانيون هم الذين دمروا امبراطوريات البوربون وبونابارت، وجاءت نشأة  الولايات المتحدة كقوة عظمى تدير سياسة العالم ولا تستطيع فرنسا منافستها على الإطلاق، وليس أمام الشركات الفرنسية سوى التكيف مع الرأسمالية الأمريكية البريطانية، لأنها لا تقدر على منافستها، وانتشرت اللغة الإنجليزية فى العالم لتحل محل اللغة الفرنسية كلغة العلم، والدبلوماسية، والأدب، وكل هذا يؤدى إلى إضعاف جهود فرنسا لتأكيد مكانتها ودورها فى  العالم، ويرى الأمريكيون أن فرنسا هى التى يجب أن تتغير وعليها أن تقبل الأمور والأوضاع التى لا تستطيع تغييرها، ولكن مع ذلك فإن معاداة أمريكا فى فرنسا منتشرة وعميقة، والأرجح أنها سوف تزداد مادامت أسبابها موجودة، وحقيقية أن إخفاقات وجرائم أمريكا تشعل العداء لها فى العالم، ولكن  السبب الأهم من الجرائم للعداء هو النجاح الأمريكى، والقوة الأمريكية وقدرة أمريكا على إحباط طموحات الدول الأخرى وفرض جدول أعمالها على دول العالم.

وليست فرنسا هى الدولة الوحيدة فى أوربا، أو فى العالم، التى أحبطت الهيمنة البريطانية الأمريكية طموحاتها، ولكن فى العالم دولاً كثيرة جدا، مثل فرنسا أحبطت أمريكا طموحاتها.. ولا تستطيع دولة فى العالم-بما فيها فرنسا-أن تكرر النموذج الأمريكى.. وكل الدول تخشى من إعادة بناء نفسها وفقا للنموذج الأمريكى، ويضاف إلى ذلك أن فرنسا ودول العالم معها يسود فيها شعور بالخوف من العولمة التى تقودها أمريكا، لأنها ستؤدى إلى أن تفقد سلطتها ونفوذها حين تضطر إلى خفض الضرائب، ومعاملة الشركات الأجنبية والمستثمرين الأجانب بنفس معاملة الشركات الوطنية والمستثمرين الوطنيين، وتفتح أبوابها للأمريكيين وفقا لضغوط  العولمة.

الأمريكيون يعرفون جيدا، ويعترفون دائما، بأن العالم يكرههم، وهم لا يفكرون فى القضاء على هذا العداء، لأنهم يرون أن هذا العداء لن يزول إلا بانهيار قوة أمريكا، وهم يفكرون فقط فى كيفية التغلب على الشعور بالاستياء والغضب والحزن الذى ينتشر فى العالم نتيجة صعود دولة واحدة إلى القمة، ووصولها وحدها إلى  القوة التى لا يشاركها فيها أحد، هذه المشاعر هى نتيجة لوصول دولة واحدة، وثقافة واحدة، ونموذج اجتماعى واحد إلى  الهيمنة فى عالم معقد، ومنقسم، وملىء بالتناقضات..

والخلاصة: أن العالم يكره انفراد أمريكا بالقوة.. ويكره الضعف الذى يشعر به أمام هذه القوة.

وهذا هو  التفسير الذى يرتاح إليه الأمريكيون وهم يذكرون السبب الحقيقى، ولكن دون التوقف طويلا أمامه وهو: الهيمنة والاستهانة بإرادة ومصالح الشعوب، وتسخير العالم لخدمة أمريكا.

أما لماذا يكره العرب أمريكا؟ فهذا موضوع آخر يشغل الأمريكيين أكثر هذه الأيام..

ويتساءل الأمريكيون عن سر الكراهية لأمريكا فى العالم العربى، وتختلف الاجتهادات والتفسيرات، بعضها-كالعادة-يلقى اللوم على العرب ويبرئ أمريكا من كل لوم، وبعضهم يعترف بشجاعة أن السياسة الأمريكية هى المسئولة عن هذه الكراهية.

وعلى سبيل المثال نجد المحلل الاستراتيجى بارى روبين Barry Rubin مدير الأبحاث الدولية فى مركز الشئون الدولية ورئيس تحرير مجلة ميدل ايست ريفيو، ومؤلف كتب مهمة آخرها بعنوان (مأساة الشرق الأوسط) وكتاب آخر بعنوان (الشرق الأوسط والإرهاب المعادى لأمريكا)، وقد كتب دراسة فى مجلة (فوريين افيرز) عدد نوفمبر-ديسمبر 2002 بعنوان (الجذور الحقيقية للمعاداة العربية لأمريكا) يقول فيها:

منذ هجمات سبتمبر تعددت الآراء حول الدوافع وراء هذا الإرهاب القاتل ويقال دائما إن هذا العنف هو رد الفعل لسياسات أمريكا المضللة، مثل مساندة إسرائيل والنظم العربية المستبدة والشعور العميق بالظلم السائد فى الشرق الأوسط وقد وصل إلى درجة الغليان وانفجر فى 11 سبتمبر، وعلى الرغم من أن المعاداة لأمريكا منتشرة بين الشعوب والحكومات العربية، فإن هناك شيئًا مضللاً فى هذا التفسير، لأن كراهية العرب للولايات المتحدة ليست فقط رد فعل للسياسات الأمريكية، ولكنه أيضا نتاج محاولات جماعات داخل المجتمعات العربية تستخدم معاداة أمريكا وسيلة لتحويل المشاعر والانتباه عن مشاكل أكثر خطرا فى هذه المجتمعات، ولذلك فإن حملة العلاقات العامة التى تقوم بها الولايات المتحدة لن تؤثر فى هذه المشاعر العربية، وقد حاولت أمريكا أن تثبت للعالم العربى أن نواياها ليست شريرة، ولكن هذه المحاولات جعلت الأمور تزداد سواء، وكل محاولة من أمريكا لاسترضاء العرب سيفهمها الراديكاليون العرب على أنها نجاح للاستراتيجية التى يتمسكون بها تجاه أمريكا للحصول على تنازلات من القوة العظمى الوحيدة فى  العالم.

والفكرة التى يحاول بارى روبين أن يروجها هى أن العداء لأمريكا ليس إلا وسيلة تلجأ إليها  النظم والحركات السياسية العربية الفاشلة لتحسين مكانتها، فهم يستخدمون العداء لأمريكا لإلقاء اللوم عليها فى كل ما يعانى منه العالم العربى، ويجعلون ذلك مبررا للاستبداد السياسى والاجتماعى والركود الاقتصادى ويحولون أنظار شعوبهم عن ممارساتهم فى الضغط الداخلى وهو المشكلة الحقيقية، وبدلا من أن يسير العرب نحو مزيد من الخصخصة، وتحقيق المساواة للمرأة، والديمقراطية، والمجتمع المدنى، وحرية التعبير، والالتزام بالقانون، فإنهم يتركون كل ذلك ويركزون فقط على كراهية الولايات المتحدة.

***

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن سياستها الخارجية تنبع من مصالحها وهذه المصالح تتوافق مع المصالح العربية، وعلى سبيل المثال فقد حاربت أمريكا من أجل تحرير الكويت عام 1991 لأسباب تتعلق بمصالح أمريكية أهمها السيطرة على منابع البترول، ولكن ذلك لا يمنع أن أمريكا ساندت  الكويت والعرب، وكانت أمريكا تستطيع الاستيلاء على آبار البترول أو خفض أسعار البترول أو المطالبة بتنازلات سياسية مقابل إنقاذ الكويت ولم تفعل شيئا من ذلك لأنها تعمل على كسب تأييد العرب والمسلمين لها، كذلك  عندما تورطت أمريكا فى  الصراعات فى المنطقة لمساندة القوى الشرعية العربية والإسلامية ضد الجماعات الإسلامية الراديكالية التى يتفق معظم المسلمين مع أمريكا على أنها جماعات منحرفة، وحتى عندما ظهرت القومية العربية فى الخمسينات حاولت أمريكا إظهار تعاطفها مع هذه الفكرة وإقامة علاقات جيدة مع عبدالناصر ومنع محاولة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل للإطاحة به فى حرب السويس عام 1956،وخلال الحرب الباردة حافظت واشنطن على سياساتها المؤيدة لأنها رأت أن معاداتها لنظم الحكم العربية سيدفعها نحو الاتحاد السوفيتى، لذلك توددت أمريكا لمصر، وقبلت سيطرة سوريا على لبنان، ولم تفعل سوى القليل لمعاقبة الدول التى كانت ترعى  الإرهاب، وأصبحت أمريكا هى النصير السياسى للإسلام فى المنطقة عندما كان الإسلام التقليدى مهددا بالنزعة القومية العربية الراديكالية، وكان الإسلام  التقليدى- فى نظر أمريكا- هو الحصن ضد الشيوعية، ومع ذلك كان شائعا فى فترة الحرب الباردة تصوير السياسة الأمريكية على أنها معادية للعرب، وكانت هذه هى وسيلة نظم الحكم الراديكالية لتأكيد شرعيتهم وتشويه خصومهم المعتدلين وتصويرهم على أنهم دمى تحركها أمريكا، واتهمت النظم العربية الراديكالية النظم العربية التقليدية بأنها معادية للديمقراطية وحقوق  الإنسان مع أن ذلك كان ينطبق عليها أيضا، وكانت الصراعات الداخلية فى العالم العربى تمثل أزمات مستحيلة أمام صانعى السياسة الأمريكية، وإذا مارست الضغوط على الحكومات العربية لتحسين موقفها من الديمقراطية وحقوق الإنسان اتهموها بأنها دولة امبريالية، وإذا ساندت أمريكا  الدول العربية الصديقة لها توجه إليها الاتهامات بأنها تعمل ذلك ضد دول عربية أخرى.

وعندما اندلعت الصراعات فى المنطقة فى السبعينات والثمانينات والتسعينات بين الإسلاميين السياسيين والحكومات المعتدلة، حرصت الولايات المتحدة على عدم التدخل، وفى ثورة إيران عام 1979. وكانت أمريكا تريد إبقاء الشاة، ولكنها منعته من اتخاذ أى عمل  عسكرى لإنقاذ العرش، وما أن نجحت الثورة سعى الرئيس جيمى كارتر لاسترضاء الحكومة الإسلامية الجديدة، ولكن اتصال أمريكا بالجناح المعتدل فى نظام الحكم الإيرانى الجديد أثار الجناح المتشدد فاندفع إلى الاستيلاء على السفارة الأمريكية فى طهران فى نوفمبر 1979. وكانت أمريكا لا تريد إعطاء الفرصة لإيران لكى تنشر الإسلام السياسى الراديكالى فى العالم الإسلامى، إلا أنها كانت تسعى فى نفس الوقت لإقامة علاقات مع طهران لكى تقلل من درجة تقاربها مع موسكو، وبالرغم من أن علاقات أمريكا والنظام الإيرانى وصلت إلى درجة ملحوظة من السوء. فإن أمريكا لم تحاول الإطاحة بالحكومة  الإسلامية.. بل على العكس ظلت تسعى نحو تحسين العلاقات معها، ولم تتورط الولايات المتحدة فى نزاع مباشر مع حكومة إسلامية سوى فى أفغانستان خلال الاحتلال السوفيتى، وساندت  الثائرين على هذا الاحتلال.

***

ويقول بارى روبين إن أمريكا حاولت دائما كسب تأييد العرب والمسلمين.. فى عام 1973 أنقذت أمريكا مصر فى نهاية الحرب العربية الإسرائيلية وفرضت على إسرائيل وقف إطلاق النار وأصبحت أمريكا بعد ذلك نصيرا لمصر، وأمدتها بالمساعدات العسكرية ولم تطلب منها فى المقابل سوى القليل.

وأنقذت  الولايات المتحدة ياسر عرفات من الحصار الإسرائيلى فى بيروت عام 1982 وقامت بترتيب ممر آمن لخروجه ومارست الضغط على تونس لتوفير الملاذ الآمن له، متناسية معاداة الفلسطينيين لأمريكا وانحياز منظمة التحرير للاتحاد السوفيتى فى الحرب الباردة وسلسلة الإِرهاب الفلسطينى، وفى التسعينات على الرغم من مساندة الفلسطينيين للعراق فى غزوه للكويت أصبحت الولايات المحدة راعية للفلسطينيين فى عملية السلام مع إسرائيل، والمدافع عن إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وقدمت أمريكا الدم والمال لإنقاذ المسلمين فى أفغانستان لتحريرها من السوفيت، وفى الكويت، والسعودية، لحمايتها من العراق، وفى البوسنة وكوسوفو لحمايتهما من الصرب، وساندت باكستان المسلمة ضد الهند، وساندت تركيا المسلمة ضد اليونان، وتوددت أمريكا إلى سوريا، وساندت العراق العربى فى حربه ضد إيران الفارسية فى الحرب الإِيرانية العراقية، وامتنعت عن الإطاحة بصدام حسين بعد طرده من الكويت عام 1991، وحرصت على إبقاء قواتها خارج الخليج لتجنب إيذاء مشاعر العرب والمسلمين فى  الخليج، ولم تتدخل إلا بدعوة من دول الخليج لحماية ناقلات البترول العربية من اعتداءات إيران، ولإنقاذ الكويت من العراق، ولإنقاذ الصومال.. وأظهرت أمريكا موقفا معتدلا عندما قامت كل من السعودية وليبيا ودول أخرى بتأميم شركات البترول الأمريكية وارتفعت أسعار البترول ارتفاعا كبيرا بعد عام 1973 فلم تحاول أمريكا الإطاحة بنظم الحكم، أو إجبار الحكومات العربية على خفض الأسعار.. ولم تنتهز فرصة انهيار الاتحاد السوفيتى لكى تفرض الهيمنة على المنطقة والانتقام من الحلفاء السابقين للاتحاد السوفيتى، وأيضا لم تستخدم أمريكا قوتها العسكرية القاهرة للهيمنة على منطقة الخليج بعد عام 1990، ولم تعمل على  إجبار أى نظام حكم على تغيير سياساته، وعندما قام تنظيم القاعدة بتفجير السفارتين الأمريكيتين فى أفريقيا عام 1998 وأدى ذلك إلى قتل أعداد كبيرة كان رد واشنطن الانتقامى على هذا الإرهاب ردا محدودا..

وأخيرا تحمل القادة الأمريكيون الألم وهم يقولون للشعب الأمريكى وللعالم إن الإسلام والعرب ليسوا أعداء لأمريكا، وخلال النصف الثانى للقرن العشرين كان هناك اثنا عشر صراعا بين المسلمين وغير المسلمين، وبين المسلمين والقوى العلمانية، وبين العرب وغير العرب، وكان موقف أمريكا مساندة الدول الإسلامية مثل تركيا ضد اليونان، والبوسنة وكوسوفو ضد يوجسلافيا وباكستان ضد الهند، والأفغان ضد السوفيت، وأذربيجان ضد أرمينيا، والدول العربية ضد الدول غير العربية: العراق ضد إيران، وكانت المساندة الأمريكية لإسرائيل هى  الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة، ومع ذلك ما الذى حصلت عليه أمريكا مقابل كل هذه المساعدات؟.. لقد شوه الراديكاليون العرب المعادون لأمريكا هذا السجل وتجاهلوا المواقف الأمريكية الإيجابية وركزوا فقط على  المساندة الأمريكية لإسرائيل، وحتى المعتدلين العرب الذين يستفيدون مباشرة من المساعدات الأمريكية لم يعبروا عن الامتنان للمواقف الأمريكية.. بل حتى لا يذكرون هذه المواقف على الإطلاق.

يتساءل بارى روبين ما الذى يجعل العرب يتجاهلون سجل المعونات والمساعدات الأمريكية لهم؟.. ويقول:مهما كانت درجة فشل الأمريكيين فى فهم  المنطقة، فإن عجز العرب عن فهم الولايات المتحدة أكبر، والشعوب العربية لا تصل إليها المعلومات الدقيقية، وتتم تغذيتها بآراء عدائية، وتلصق تهمة بكل من يعمل على تقديم صورة جيدة عن أمريكا بأنه من عملاء أمريكا فى المنطقة، وهناك محاولات لتشويه الأعمال الطيبة لأمريكا فيلقى باللوم على أمريكا بسبب معاناة أهل البوسنة وكوسوفو، مع أن أمريكا هى التى قامت بحمايتهم،ويتم تصوير الجهود الإنسانية لأمريكا فى الصومال على أنها جانب من خطورة التهديدات التى قامت أمريكا بحماية العرب والمسلمين منها مثل حمايتهم من صدام حسين وحكمه الدكتاتورى، ودائما تظهر المحاولات لتفسير كل سياسة أمريكية إلى عامل واحد هو مساندة أمريكا لإسرائيل، ويتم تشويه سياسات إسرائيل وطبيعتها الحقيقية، فالعرب يصورون إسرائيل على أنها قوة شريرة تسعى للهيمنة على الشرق الأوسط وقتل العرب وتدمير الإسلام، وبالتالى تبدو مساعدة أمريكا لإسرائيل عدوانا على العرب، بينما لم تفعل أمريكا سوى مساعدة إسرائيل على التغلب على جهود العرب لإزالتها من الخريطة، وكانت علاقة أمريكا بإسرائيل فى الربع الأول من القرن العشرين علاقة متناقضة، وازدادت العلاقة بعد ذلك بسبب انحياز بعض الدول العربية للاتحاد السوفيتى ورعايتها للإرهاب المعادى لأمريكا، وبالرغم من هذا العداء بقى  الهدف الأمريكى الدائم هو التوصل إلى اتفاقية سلام بين العرب وإسرائيل يقبلها الطرفان، وتضمن علاقات جيدة لأمريكا مع الجانبين، ولكن القوى الراديكالية العربية هى  التى ترفض دائما أى حل سلمى، لأنهم يرفضون وجود إسرائيل ويريدون أن تظل  المنطقة فى حالة عدم استقرار، وبرغم كل شىء فلن يجد الراديكاليون فرصة للاستيلاء على الحكم.

بارى روبين يقول:إن الراديكاليين العرب يعارضون أمريكا ليس لأنها لم تعمل بجدية للتوصل إلى حل عادل للصراع العربى الإسرائيلى، ولكنهم يعارضونها لسبب آخر هو على النقيض من ذلك.. هو أنهم يريدون الفشل لجهود أمريكا فى التوصل إلى هذا الحل، وهذا ما يفسر سبب زيادة الإرهاب كلما زاد السعى الدبلوماسى نحو الحل، وحتى عندما انسحبت إسرائيل من لبنان بناء على سعى أمريكا لم يصور الراديكاليون هذا الانسحاب على أنه خطوة نحو تحقيق السلام، ولكن صوروه على أنه علامة على الضعف ودليل على صحة دعواهم إلى تصعيد العنف ضد إسرائيل وأمريكا، وتم التخطيط لهجمات سبتمبر فى وقت بدا فيه أن عملية السلام أقرب إلى النجاح.. فليست مصادفة أن العداء لأمريكا ازداد فى  الشرق الأوسط فى الوقت الذى كانت فيه أمريكا تضع تصورا لمساندة إقامة دولة فلسطينية عاصمتها  القدس  الشرقية..

***

تفسير بارى روبين للعداء لأمريكا أنه يقوم بوظيفة مهمة للحكام الراديكاليين والحركات الثورية وحتى لنظم الحكم المعتدلة.. هذه الوظيفة هى حشد مساندة شعبية وتحقيق أهداف محلية بدون تكاليف كبيرة، ويبدو أن استراتيجية العداء لأمريكا تساعد على دعم محاولات الحركات الإسلامية التى ترفضها الجماهير، وتساعد الحكام على تأجيل الاستجابة للمطالب الشعبية بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتحسين مستويات المعيشة ومحاربة الفساد وتغيير القيادات، فإن الحكام يلقون باللوم على أمريكا ويجعلون منها سبب كل المشاكل، وبالعداء لأمريكا تستطيع نظم الحكم تحقيق وحدة وطنية، وإسكات الإصلاحيين بحجة التهديد الأمريكى المزعوم، وعندما تبادر حكومة باستخدام ورقة العداء لأمريكا تضمن ألا يستخدمها خصومها ضدها، وهكذا تحصل بعض الأنظمة على مساعدات أمريكية، وفى نفس الوقت تساعد التيار الشعبى المعادى لأمريكا، وتترك وسائل الإعلام لتهاجم أمريكا، وتستخدم إيران العداء لأمريكا للضغط لانسحاب القوات الأمريكية من دول الخليج، والعداء لأمريكا هو سلاح التيار المتشدد فى إيران فى صراعه مع التيار الإصلاحى باتهامه بأنه تيار يمثل عملاء أمريكا، وبالنسبة للفلسطينيين استخدموا العداء لأمريكا لتغطية رفضهم لعروض التسوية التى قدمتها إسرائيل،وبادعاء أن هذا العداء سببه مساندة أمريكا لإسرائيل يسعى القادة الفلسطينيون وبعض القادة العرب إلى الحصول على مزيد من التنازلات من أمريكا.. والعداء لأمريكا يعطى لبعض القادة المبرر للقول بأن أيديهم مقيدة بسبب ضغوط المشاعر الشعبية عليهم، بالرغم من أن هذه المشاعر لا تقيد أيديهم عندما يشعرون بأن مصالحهم فى خطر، وأخيرا فإن العداء لأمريكا مفيد للمفكرين والصحفيين العرب للتنفيس عن غضبهم على نظم الحكم بتوجيه الغضب إلى أمريكا التى تعتبر صديقا لهذه النظم، وبالنسبة للشعوب فالعداء لأمريكا يجعلهم يشعرون بالراحة لأنهم يجدون من يحملونه مسئولية ما هم فيه من معاناة واعتبار أمريكا مسئولة عن كل الأخطاء وعن عدم تحسن حياتهم.

***

هذه هى الجذور الحقيقية للمعاداة العربية لأمريكا، كما يراها الباحث الاستراتيجى بارى روبين وهو رجل لا يستهان به لأنه المسئول عن إدارة البحوث الدولية فى واحد من أهم مراكز البحث والتفكير فى أمريكا.

ويكفى أن تعيد قراءة هذا التحليل كلمة كلمة وستجد أن المغالطات أكثر مما يمكن تصوره.. مغالطات فى ترتيب  الأحداث وتفسيرها.. ومغالطات فى الاستنتاج المنطقى والواقعى، ويكفى أنه يرى أن إسرائيل دولة طيبة ومسالمة وتريد الخير للعرب وأن أمريكا كلما اقتربت من تحقيق قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس يقف العرب فى طريقها وأن العرب لا يقدرون ولا يشكرون ما قدمته لهم أمريكا من مساعدات لتحقيق مصالحهم دون أن يكون لها مصلحة فى ذلك..

يكفى قراءة المقال لمعرفة كيف يجيد المحللون الاستراتيجيون الأمريكان فن المغالطة.. وكيف يقع الشعب الأمريكى ضحية هذه المغالطات التى تفسر العداء لأمريكا فى العالم العربى بسبب وحيد هو أن العرب والمسلمين هم وحدهم المسئولون عن هذا العداء وأمريكا بريئة ولم تفعل شيئا يمكن أن يسىء إلى هؤلاء العرب والمسلمين الذين يظلمون أمريكا.. وأمريكا هى نصير العرب والمسلمين فى كل وقت وكل مكان.. والعرب يريدون إزالة إسرائيل من الوجود.. بينما إسرائيل هى التى تفعل ذلك فعلا الآن..

وإذا أردنا أن نعرف أمريكا يكفى أن نشاهد صورة مما يحدث للمعتقلين فى قاعدة جوانتانامو دون توجيه اتهام أو السماح لهم بحقوق الحيوان.. بينما تحارب أمريكا دولا عربية وتدمرها تحت شعار الدفاع عن حقوق الإنسان..

حقيقة.. لكى نفهم التفسير الأمريكى لعداء العرب لأمريكا فإننا نحتاج إلى عقل أمريكى.. عقل لا يعرف المنطق!

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف