السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

الصحافة الأمريكية تقول ونحن معها: العربة الطائشة فى البيت الأبيض!

كتب توماس فريدمان يوما أن سياسة الإدارة الأمريكية الحالية قائمة على نظرية تخويف العالم، وقال:إن هذه الإدارة تبدو كأنها تقود سيارة طائشة بمنتهى السرعة، وباندفاع مجنون، ودون مراعاة لما يمكن أن تهشمه أو تقتله، وبذلك تنشـر الصدمة والترويع ويتراجع الجميع من أمامها ليخلو لها الطريق، ولا يستطيع أحد أن يقف أمامها أو يعترض على سياساتها.

وكتبت صحيفة هيرالدتريبيون افتتاحية يوم 4/4/2003 بعنوان مذهب بوش، قالت فيها: إن شعور إدارة بوش بسهولة النصر الذى تحقق فى غزو العراق قد يغريها بدفع القوات الأمريكية نحو الهدف التالى فى القائمة، وقد يكون الهدف إيران أو سوريا، أو كوريا الشمالية، ومن حق الرئيس بوش أن يشعر بالسعادة لانتصاره فى العراق، ولكن عليه أن يدرك أن هذا النصر العسكرى ليس دليلا على صحة النظرية التى يؤمن بها الخاصة بالضربات الوقائية، أى حق أمريكا فى ضرب أية دولة أو أية جماعة ليس على ما فعلت، ولكن على ما قد تفعله، أو ما يمكن أن تفعله، أو ما يحتمل أن تفعله، أو أن يكون مجرد وجودها مما يتعارض مع مصالح أمريكا.

وقالت هيرالدتريبيون إن هذا المذهب القتالى لم يكن موضع ترحيب عندما أعلنه الرئيس بوش فى سبتمبر  2002، لأنه يتعارض مع نزعة أمريكا التقليدية للعمل مع الدول الأخرى فى القضايا التى تتعلق بالسلام ولا تعمل وحدها، ولكن مذهب بوش يعتمد على القوة، وعلى استعداد أمريكا للتخلى عن حلفائها وأصدقائها والعمل وحدها.. من أجل مصالحها وحدها.. ولم تثبت صحة هذه النظرية حتى بعد الإطاحة بنظام صدام حسين، فلم يكن أمن أمريكا معرضا للخطر من العراق، ولم يمثل غزو العراق إضافة عنصر جديد من عناصر الأمن لأمريكا.. وإن كان القدر الذى تحقق من الإنجاز العسكرى فى العراق لا يمكن إنكاره.. ولكن النصر على العراق ليس نصرا لعدم التكافؤ بين قوة أمريكا وقوة العراق، وبالتالى لم يكن هناك شك فيه، فأمريكا قادرة على هزيمة دولة مثل العراق وإسقاط التماثيل من ميادينها، وقادرة على أن تكرر ذلك فى دول أخرى كثيرة، وليس فى ذلك معجزة، ولكن هناك مشكلة فى كل غزوة من هذه الغزوات، وهى أن كل حالة لها عواقب خاصة بها وتنتج عنها تعقيدات بعد الحرب وبعد النصر، كما حدث فى العراق، فالوضع هناك نموذج للفوضى وعدم الاستقرار، وفقدان الأمن وعدم القدرة على السيطرة، وسوف يستغرق الأمر وقتا طويلا جدا، أطول مما قدرت الإدارة الأمريكية بكثير، لكى تستقر الأمور، وتستطيع أمريكا حكم العراق، وتبين إن كانت أمريكا قادرة بالفعل على توفير الديمقراطية والازدهار للعراق أو سيحدث العكس، وهل هى قادرة على تحسين الوضع فى الشرق الأوسط أو سوف يسوء أكثر مما هو عليه؟.

وتقول هيرالدتريبيون إن أمريكا أرادت أن تجعل العراق مثلا لإنذار الدول والجماعات الأخرى فى العالم كله بأن مصيرها سيكون مثل مصير العراق.. أرادت الإدارة الأمريكية إعطاء درس للجميع واختارت أن يكون العراق عبرة للجميع، ولكن الشىء الذى لم تعمل الإدارة الأمريكية حسابه أن يصبح العراق بؤرة للثورة على الاحتلال الأمريكى وتنتقل الثورة إلى دول أخرى.. ويضاف إلى ذلك أن إدارة الرئيس بوش تعلن أنها تريد إصلاح العالم، والقضاء على الشر، ونشر الحرية والديمقراطية، وحكم القانون فى الدول المحرومة من ذلك، ولكن مع الأسف فإن هذه الأهداف أساء إليها موقف انفرادى مغرور، وعدوانية ظاهرة.. وادعاء بالحق فى تحديد ما هو الشر وأين هو، وتحريك الجيوش الأمريكية نحوه دون مراعاة للمجتمع الدولى، وهذا ما جعل الشعور العام فى العالم، معارضا للحرب الأمريكية ضد العراق، فقد شعرت الشعوب بالقلق من هذه القوة التى تنفرد بالقرار ولا تبالى بالعالم، وفى النهاية فإن النظرية التى تنشر الوهم بأن أمريكا سوف تنشر السعادة بين شعوب العالم، ثم ينتهى بها الحال إلى نشر البؤس والاستياء، لا تعتبر نظرية ناجحة مهما كان عدد التماثيل التى تم إسقاطها، وهذا ما يجعل أمريكا محتاجه الآن إلى إظهار أنها مازالت تتمتع بالحكمة، وجديرة بالثقة، ولن يتحقق ذلك إلا بأن تغمد سيفها حتى تكون هناك حاجة فعلية  إليه.

وملخص رأى الصحيفة أن السياسة الأمريكية الحالية تحتاج إلى الرشد  والحكمة بدلا من الإفراط فى استخدام القوة الذى يجعلها تخسر على المدى الطويل، حتى وإن بدا على المدى القصير أنها قوة تنتصر دائما ولا يقدر أحد على الوقوف أمامها.

***

يقولون أيضا إن هذه العربة الطائشة تفتقد العقلانية.. وفى مقال وليام فاف فى هيرالدتريبيون أيضا يوم 15/5/2003 بعنوان (شتراوس وتأثيره الكبير) قال: إن مشكلة التيار المحافظ الأمريكى فى القرن العشرين أنه لم يكن تيارا عقلانيا، وأن الحزب الجمهورى الذى يعتنق فكر هذا التيار كان دائما ولا يزال حزبا معاديا للفكر، ويعانى من الشعور العدائى تجاه الأجانب.. والمحافظون الراديكاليون الجدد الذين ظهروا فى الستينات فى تيار اليمين الأمريكى أرادوا إعادة تشكيل النظام الدولى على أن يكون تحت السيادة الأمريكية، وأرادوا تدمير أعداء أمريكا، كما أرادوا إصابة الأمم المتحدة بالشلل، أو القضاء عليها وعلى المؤسسات الأخرى التى تدعى أن لها الحق فى النظر واتخاذ القرار فى الشئون الدولية، لكى يكون ذلك لأمريكا وحدها.. وهؤلاء المحافظون الراديكاليون لهم فلسفة سياسية عدوانية وتعكس تصرفاتهم.. الغرور والتشدد والثقة فى أنهم يملكون اليقين والحكمة ولا يملك غيرهم شيئا من ذلك.. وعلى رأس هؤلاء بول ولفويتز نائب وزير الدفاع وأبراهام شولسكى shulsky  رئيس مكتب التخطيط فى البنتاجون، وريتشارد بيرل عضو المجلس الاستشارى فى البنتاجون واليوت إبرانز رئيس مجلس الأمن القومى وروبرت كاجان وويليام كويستول الكاتبان المؤثران فى فكر هذه الجماعة، وإن كان أهم تأثير فكرى على المحافظين الجدد هو للفيلسوف ليو شتراوس، الذى هاجر من ألمانيا سنة 1938 وعمل أستاذا لسنوات طويلة فى جامعة شيكاغو، ودرس معظم المحافظين الجدد على يديه، وهو الذى أشرف على الدكتوراه لكل من وولفويتز وشولسكى، وشتراوس يعتقد أن الحقائق الأساسية فى التاريخ والمجتمع الإنسانى يجب أن يحتفظ بها الصفوة، ويمتنع على الآخرين عن التعامل مع هذه الحقائق،كما أن المجتمع يحتاج دائما إلى الأكاذيب التى تمنحه المواساة.

شتراوس علّم المحافظين الجدد أن الفلسفة خطيرة لأنها تشكك فى المعتقدات التقليدية التى يجب أن يعتمد عليها النظام، فهو يريد أن تكون المعتقدات التقليدية محل إيمان ويقين وتسليم بدون مناقشة من العامة، ويريد أيضا إعادة الانضباط إلى المجتمع الأمريكى، فهو يرى أن هذا المجتمع الأمريكى الحديث فيه فوضى، نتيجة السماح لتعدد الأفكار والاتجاهات مما أدى إلى اختلاط الحابل بالنابل، وهذا هو الذى جعل المجتمع الأمريكى فى مرحلة من المراحل لا يعرف من هم أعداؤه، ولذلك فهو يدعو إلى الوضوح. أى التمييز بين الخير والشر، وبين الصواب والخطأ.. وليس هناك تسامح مع ما يعتقد أنه شر أو خطأ، لا تسامح لأن التسامح-فى نظره-هو الذى يؤدى إلى نمو التطرف، لهذا وجه شتراوس النقد العنيف إلى الليبرالية التى جاءت بعد عصر التنوير، والولايات المتحدة هى أكثر الدول ليبرالية، وبالتالى فهى أكثرها عرضة للتعدد والتفكك.. وذلك يدعو إلى حكم الصفوة، وانفرادها بالقرار، وفهم فلسفة أفلاطون السياسية على أنها حكم الصفوة وحدها، أما العامة فليس لهم أن يشاركوا فى شئون الحكم أو يفكروا فيها، ولذلك فإن السياسى الناجح هو الذى يؤمن بأن الكذب على الناس ضرورى لأن الناس العاديين لا شأن لهم بالاطلاع على الحقائق السياسية، فالحقائق يجب أن تبقى للصفوة وحدها، وتحتفظ بها لنفسها، وهذا ما يعطيها رؤية وبصيرة ويميزها عن الآخرين.

هذا الفكر السياسى كان موضع إعجاب المحافظين الجدد، وعندما وصلوا إلى دائرة السلطة طبقوا هذا الفكر وعملوا وفقا له، وهم يرددون أقوال شتراوس مثل: ليس هناك من يعاقب على الخطأ، ومعظم الناس لا يستطيعون تحقيق الفضيلة، وميكيا فيللى كان محقا عندما رأى أن البشر ليسوا سواسية، ولكنهم درجات وعلى طبقة الحكام أن يقودوا الناس ولا يستلهموا منهم القرار، وأن يفرضوا على المجتمع النظام ولا يستجيبوا لما يريده المجتمع، وإن كانت هذه الفلسفة تبدو معادية للحكم الأمريكى الذى يتحدث عنه الأمريكيون، وتتعارض مع ما هو شائع عن المبادئ والقيم الأمريكية، وتتناقض مع النزعة لإقامة مجتمع ديمقراطى، كما تتناقض مع ما يعلنه المحافظون الجدد الذين يحكمون البيت الأبيض الآن من أنهم يسعون إلى نشر الديمقراطية فى العالم الإسلامى، وإقامة نظام دولى تقوده الولايات المتحدة.. فهم يعلنون (يوتوبيا) ويعملون لإقامة شىء آخر..

وشتراوس صاحب هذه المدرسة الفكرية والسياسية للمحافظين الجدد، مات سنة 1973 كان يعلمهم أن العدل شىء لا يمكن تحقيقه، ويقول لهم:لا يستطيع أى إنسان ولا تستطيع أى جماعة من البشر سواء كانت أمريكية أو غير أمريكية أن توفر العدل حين تحكم.

يقول وليام فاف:إن المحافظين الجدد فى البيت الأبيض مازالوا مؤمنين بفكر شتراوس، خصوصا نظريته عن الصفوة التى يجب أن تنفرد بشئون الفكر والحكم، ودعوته إلى أن يكون كل عمل نابعا من اعتبارات نفعية، وأن يكون مغلفا بالأكاذيب الضرورية التى تقال لهؤلاء الذين لا يتحملون الحقيقة ومن مصلحتهم ألا يعرفوها، لأنهم لو عرفوا الحقيقة فسوف تشوش على أفكارهم وحياتهم.

المهم..كما يقول وليام فاف: إن هذا الفكر هو الذى يحكم فى أمريكا الآن.

***

لكن خطر هذا الفكر، وهذه السياسة أكبر مما يتصور المحافظون الجدد، وهذا ما حاول وليام فاف أن ينبه إليه فى مقال آخر فى هيرالد تريبيون فى 12/4/2003 بعنوان (الهيمنة على العالم تحمل مخاطر كبيرة) قال فيه: إن تصريحات الرئيس بوش وأركان الإدارة الأمريكية عن تجاهل الأمم المتحدة، تعكس الموقف الفكرى والسياسى لهذه الإدارة، ويتلخص فى الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة فى العالم الآن، ستأخذ أمور العالم بيدها، لعدم قدرة الأمم المتحدة على إدارة شئون العالم، وموقف الإدارة الأمريكية أن أمريكا يجب أن تعمل وحدها، وتشن الحرب الوقائية التى ترى أنها ضرورية ولها الحق فى بناء نظام دولى لا تستطيع الأمم المتحدة بناءه، ولا يهم ما فى اتفاقية جنيف الرابعة من ضرورة أن تتحمل دولة الاحتلال العسكرى مسئولية رعاية المدنيين الواقعين تحت الاحتلال رعاية  كاملة، ولا يهم أن هذه الاتفاقية تضع قيودا شديدة على حق دولة الاحتلال فى استغلال واستخدام موارد الدولة المحتلة.. لا يهم شىء من ذلك.. لأن واشنطن لن يستطيع أحد أن يمنعها من أن تعمل ما تريد فى العراق، حتى ولو خالفت القانون الدولى، فسوف تبقى فى العراق وسوف تفعل ما تريد، وإدارة الرئيس بوش تريد أن يتحمل المجتمع الدولى الأعباء المالية لإعادة إعمار العراق ولا تتحملها أمريكا، وأن تقوم بحفظ الاستقرار والسلام فى العراق قوات أخرى غير القوات الأمريكية لكيلا تتحمل القوات الأمريكية المخاطر فى مواجهة المقاومة العراقية ويتحملها الآخرون، وهذا ما يجعل الإدارة الأمريكية تقترب الآن من الاتحاد الأوربى لتكون أوربا هى المصدر الأساسى لتقديم المساعدات لإعادة إعمار العراق.. وفى نفس الوقت فإن هناك مشكلة لا تريد إدارة الرئيس بوش الاعتراف بها، وهى أن الحملة العسكرية على العراق أدت إلى القضاء على سمعة الولايات المتحدة التى كانت تتمتع بها كقوة خير، وهذا ما ركز عليه روبرت بابى pape الأستاذ بجامعة شيكاغو فى دراسة له نشرت فى صحيفة (بوسطن جلوب) وقال فيها: إن الولايات المتحدة كسرت القاعدة التى كانت تتحدث عنها كثيرا وهى أن الدول الديمقراطية لا تشن حروبا وقائية وها هى ذى تنقلب على هذه القاعدة الأمريكية التى كانت ثابتة، وتفعل ما لم تفعله أى دولة ديمقراطية أخرى على مدى قرنين من الزمان، أى منذ نشأة أمريكا ذاتها، فالحروب الوقائية كانت تشنها الدول الدكتاتورية على مر العصور، كذلك فإن الإدارة الأمريكية الحالية وضعت مفهوما جديدا للأمن القومى لأمريكا وهو منع أية دولة من امتلاك قوة عسكرية تتساوى مع ما تمتلكه أمريكا من قوة ، بما فى ذلك أسلحة الدمار الشامل، وهذا لم يحدث فى التاريخ من قبل، والنتيجة أن دول العالم تغيرت نظرتها إلى الولايات المتحدة، وسوف تؤدى سياسة الرئيس بوش إلى ترسيخ مبدأ جديد هو حق كل دولة قوية فى شن الحرب على أى دولة أخرى ترى أنها تمثل تهديدا محتملا عليها.. وقد لا تكون مثل هذه الحروب حروبا عسكرية، ولكن يمكن أن تكون حروبا اقتصادية ودبلوماسية، وهذا ما فعلته فرنسا وروسيا وألمانيا وبلجيكا والصين حين قامت بعزل الولايات المتحدة بوسائل دبلوماسية،ومن الممكن أن يتكرر مثل هذا الحصار الدبلوماسى إذا نشأ خلاف آخر بين الولايات المتحدة ودول أوربا، والاتحاد الأوربى الآن قوة تجارية واقتصادية، أقوى من الولايات المتحدة، ويعمل الاتحاد الأوربى على مطالبة مصدرى البترول باشتراط الدفع باليورو بدلا من الدولار وسيؤدى ذلك إلى إضعاف قيمة الدولار وأى حركة من جانب المستثمرين الأوروبيين والآسيويين للخروج من دائرة الدولار سوف تسهم فى أن تجعل من المستحيل على الإدارة الأمريكية التغلب على العجز الكبير فى الميزانية، وسيؤدى ذلك إلى التأثير سلبا فى الناتج القومى الإجمالى لأمريكا.

ويختم وليام فاف مقاله بقوله: هكذا فإن انقلاب إدارة بوش على سياسة أمريكا الخارجية التقليدية، واتباعها لسياسة جديدة قائمة على الهيمنة العسكرية على العالم، أحدثت تغييرا جذريا يمثل انقلابا فى التوازن الدولى.. وهذه الإدارة تبدو فخورة بما فعلته، والحقيقة أنها لم تدرك حتى الآن أن ضرر هذا الانقلاب سوف ينعكس عليها، وقد يعرض مستقبل أمريكا للخطر.

***

والاندفاع نحو الحرب فى البيت الأبيض جعل تونى بلير رئيس الوزراء البريطانى يندفع هو الآخر مع صقور الإدارة الأمريكية رغم المعارضة الشديدة فى مجلس العموم، وفى حزب العمال، وفى الشارع، ويبدو أن اندفاع تونى بلير كان مبالغا فيه إلى الحد الذى جعله يخسر النفوذ الذى كان يتمتع به فى واشنطن وجعل بريطانيا تسىء علاقتها بدول أوروبا وتبدو عنيدة ولا تمانع فى إيجاد خلافات داخل الاتحاد الأوروبى لإرضاء الولايات المتحدة، وتغافل تونى بلير عن مبدأ جوهرى فى السياسة الدولية، هو أن الدولة لكى يكون لها نفوذ دولى يجب أن تعبر سياساتها أولا عن مصالحها الوطنية، وهذا يقتضى أن يكون بينها وبين شريكها وحليفها خلاف ما، لكن بلير اندفع فى تأييد الرئيس بوش حتى بعد أن وجه إليه دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكى الإهانة وقال له: إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى اشتراك بريطانيا فى الحرب، وبعد أن هدمت الإدارة الأمريكية ما كان قد بناه مع الفلسطينيين سعيا إلى الوصول إلى تسوية . ونتيجة لذلك فإن بلير فى مأزق الآن-كما يقول وليام فاف فى مقاله يوم 5/6/2003 فى هيرالد تريبيون بعنوان (حرب البيت الأبيض أدت إلى ارتباك فى دواننج ستريت)، وإن هذا المأزق يتمثل فى الاتهام الموجه إلى بوش بأن قرار الحرب كان قد اتخذ فى البيت الأبيض قبل مجلس الأمن وقبل تقارير المفتشين، وأن كل ما جرى بعد ذلك كان مجرد تمثيلية، ولذلك فـإن واشـنطن ولندن متهمتـان بالكـذب وتزييف الأدلة الخاصة بأسلحة الدمار الشامل فى العراق، وقد اعترف بذلك صراحة بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكى فى حديث لمجلة فاينتى فير Vanity Fair، وحكى كيف بدأت قصة الحرب، فقال إن الإدارة الأمريكية كانت تريد فى العام الماضى الذهاب إلى الحرب ولكن لم يكن لديها مبرر تعلنه، فعقدت اجتماعات للخبراء والمسئولين فى المخابرات والأمن القومى وطلب منها إيجاد مبرر. وانتهت المناقشات إلى الاتفاق على أن يكون امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل هو المبرر المعلن، وبعد ذلك دارت آلة الإعلام، وآلة السياسة حتى جعلت الأمر يبدو كأنه حقيقة، بالرغم من أن المخابرات الأمريكية، ووكالة مخابرات الدفاع ومفتشو الأمم المتحدة لم يجدوا شيئا وذكروا فى تقاريرهم أن العراق لا يمتلك شيئا من هذه الأسلحة، ولكن قوة السياسة الأمريكية مارست عملها للضغط على الكونجرس وعلى الرأى العام وعلى دول العالم، كما نشطت الصحافة وشبكات التلفزيون وتم تجنيد خبراء ومعلقين لإقناع الشعب الأمريكى والعالم بأن العراق يمثل تهديدا لأمريكا وللعالم، وقدم كولن باول وزير الخارجية الأمريكى بنفسه تقريرا معززا بالصور إلى مجلس الأمن، كما قدم تونى بلير ملفين ملأهما بالأدلة على وجود أسلحة دمار شامل فى العراق، وثبت بعد ذلك أن هذه التقارير والأدلة ملفقة.

وبعد الحرب ، كان لابد من تفسير للفشل فى إيجاد هذه الأسلحة، واخترعت الإدارة الأمريكية حجة جديدة هى أن الأسلحة تم تهريبها إلى سوريا، ولما تبين للعالم أن ذلك غير صحيح، اضطر دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكى مؤخرا إلى الاعتراف صراحة بأنه لا توجد أسلحة دمار شامل فى العراق، وقال إن هذه الأسلحة ربما تم تدميرها قبل الحرب، ولما وجد أن هذه الحقيقة يمكن أن تفتح أبواب الحساب فى الكونجرس، عاد بعد ذلك إلى القول بأن أسلحة الدمار الشامل موجودة فى العراق، وأعلن الرئيس بوش بنفسه أن هذه الأسلحة موجودة، وسيتم العثور عليها بعد فترة من البحث، وأعلنت القيادة العسكرية الأمريكية فى العراق أن هذا البحث ربما يستغرق عدة سنوات لصعوبة البحث فى دولة واسعة مثل العراق ، ثم عاد الرئيس بوش بنفسه فى حديث إلى التلفزيون البولندى أثناء زيارته لبولندا فقال : (لقد وجدنا أسلحة الدمار الشامل) وبعدها بأيام أكد كولن باول وزير الخارجية الأمريكية ثقته فى أن هذه الأسلحة سيتم العثور عليها. وأعلن أن القوات الأمريكية وجدت سيارتين قالت إنهما كانتا معملين لإنتاج أسلحة بيولوجية، ثم تبين أنهما سيارتان لنقل الألبان، وأعلن بعدها عن العثور على برميلين فيهما آثار مواد كيماوية.. وفى النهاية وجد تونى بلير الحل فأعلن أن القوات الأمريكية والبريطانية مشغولة جدا بحيث لا تستطيع البحث عن هذه الأسلحة الآن!

ويقول وليام فاف: إن الكونجرس بدأ يهتم بمراجعة ما قاله الرئيس بوش فى مجلس الشيوخ، وما أعلنه للشعب فى الإذاعة والتليفزيون والتصريحات الصحفية، وهناك تحرك يزداد قوة للدعوة إلى قيام لجنة القوات المسلحة ولجنة الاستخبارات فى مجلس الشيوخ والنواب بعقد جلسات استماع حول عملية الخداع..

 أما فى بريطانيا فقد أعلنت لجنة العلاقات الخارجية فى مجلس العموم أنها ستقوم بإجراء تحقيق حول قرار بريطانيا بالاشتراك فى هذه الحرب. وربما ينتهى الأمر برئيس الوزراء تونى بلير إلى الندم على اندفاعه فى تأييد بوش وهو يعلم أن القصة كلها مجرد خداع، ومع ذلك كان مبالغا فى دور الشريك المخلص بدرجة أساءت إليه شخصيا وإلى مكانة بريطانيا!

***

والنتيجة -كما قالت هيرالد تريبيون فى افتتاحية عددها يوم 4/6/2003 بعنوان (القوة الأمريكية)- إن هذه الحرب كانت لها انعكاسات سيئة على مكانة أمريكا فى العالم، وفى العالم الإسلامى، حتى أن هناك فى العالم الإسلامى من يثق فى أسامة بن لادن وياسر عرفات أكثر مما يثق فى الرئيس بوش، وفقا لاستطلاع الرأى الأخير الذى أجراه معهد (بيو) للأبحاث، وهذه نتيجة مزعجة، وتستحق التفكير، وربما يحاول بعض الصقور فى البيت الأبيض الإدعاء بأن نتيجة هذا الاستطلاع تدل على أن الإرهاب له أنصار فى كل مكان، وهذا يجعل الولايات المتحدة مضطرة لأن تكون اكثر يقظة ، وتستخدم القوة ولا تستخدم الرحمة، لكن هذا  المبرر غير صحيح لأن النصف الثانى من الاستطلاع أكد أن الذين لا يثقون فى سياسة الولايات المتحدة يشعرون بالإعجاب بالقيم الديمقراطية الأمريكية. ونتائج هذا الاستطلاع تؤكد أن إدارة بوش بددت الكثير من التعاطف والمساندة والتأييد الذى كانت الولايات المتحدة تحظى به بعد هجمات 11 سبتمبر، والآن يظهر واضحا تراجع شديد فى مكانة أمريكا فى العالم الإسلامى، وتزايد الشعور بان الولايات المتحدة أصبحت تهديدا للإسلام، وتقول هيرالد تريبيون تعليقا على ذلك: عندما يكون هدف السياسة الخارجية الأمريكية بناء جبهة عالمية ضد الإرهاب، ونشر الديمقراطية، ثم تكون نتيجة هذه السياسة نشر الكراهية الأمريكية وتحويل المشاعر ضدها فإن ذلك  بالتأكيد دليل على أن هناك خطأ ما، ومع ذلك فمازال فى إمكان الرئيس بوش ان يستعيد ثقة العالم الإسلامى فيه إذا تحرك بجدية لحل الصراع الإسرائيلى الفلسطينى، وإذا اثبت للمسلمين أنه هو ومن حوله فى البيت الأبيض لا يشاركون المتشددين المسيحيين الأمريكيين فى النزعة إلى العنف ضد المسلمين، وعلاوة على ذلك فإن هذا الاستطلاع يشير إلى الحاجة الملحة لهذه الإدارة، ولكل الأمريكيين، إلى إعادة التفكير بعمق وبجدية فى كيفية استخدام القوة الهائلة التى تمتلكها أمريكا، وما تفرضه هذه القوة من مسئوليات والتزامات على أمريكا أن تتحملها، وأول هذه الالتزامات أن تستمع أمريكا إلى الآخرين عندما يكون لديهم اعتراض على سياسة أمريكا، وأن تدرك هذه الإدارة أن القوة الهائلة التى تملكها أمريكا من الطبيعى أن تثير المخاوف من احتمالات سوء استعمالها أو التهور فى استعمالها.. وهذا يقتضى أن تكون علاقة أمريكا بالدول الأخرى قائمة على الحكمة، والتحفظ، والتواضع.

ولكن من يطالب الإدارة الأمريكية بالتواضع الآن فلن يجد من يستمع إليه فى البيت الأبيض.. لأن الزهو بالقوة يسيطر على الجميع.. والاستهانة بالآخرين هى التفكير الغالب.. والشعور بأن أمريكا تستطيع أن تفرض ما تريد وعلى الآخرين الاستجابة والخضوع هو السائد.. وهذا هو الخطر الذى يهدد العالم.. ويهدد أمريكا.. تماما كما أن انطلاق سيارة طائشة بأقصى سرعة وبدون فرامل وبقيادة لا تبالى بالضحايا شىء يثير الخوف والكراهية معا. *

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف