السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

ثورة يوليو فى مأدبة اللئام !

عندما احتفلت فرنسا بمرور 200 سنة على الثورة الفرنسية سارع البعض فى مصر وشاركوا فى هذا الاحتفال بحماس كان يفوق حماس الفرنسيين أنفسهم! وتحمس بعض الأدعياء والمرتزقة فاقترحوا الاحتفال بذكرى غزو نابليون بونابرت لمصر والاحتلال الفرنسى لبلادنا.. ولم تظهر على وجوههم حمرة الخجل.. وهذا بالضبط ما فعله أذيال الاستعمار فى بغداد. عندما قرروا أن يكون يوم سقوط بغداد ودخول قوات الغزو واحتلال العراق.. هو يوم العيد القومى للعراق.. وظهرت حمرة الخجل على وجوهنا نحن ولم تظهر على وجوههم!

هـذابالضبط ما يحدث لثورة يوليو، وقد أصبح زعماؤها ورجالها بعد غيابهم كالأيتام فى مأدبة اللئام، تنهش ذكراهم،وتشوه صورتهم، وظهر المنافقون على حقيقتهم الذين كانوا يهتفون بأعلى أصواتهم لعبد الناصر:بالروح بالدم نفديك يا ناصر.. وكانوا يضعون صورته فوق رؤوسهم ثم أخفوها وتبرأوا منه. وهم الآن الذين يقولون إنه دكتاتور، وإنه خرب البلد، وإنه أعطى للفلاحين والعمال مقاعد فى الحكم بعد أن كانوا فى مكانهم الطبيعى فى خدمة السادة الذين استعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!

شىء قليل من الإنصاف كان يكفى ليقول هؤلاء كلمة حق عن الثورة وتاريخها.. وشىء قليل من الحياء كان يكفى ليخجلوا من أنفسهم وهم يزورون التاريخ، ويكذبون جهارا نهارا، دون التزام بالأمانة، أو بأخلاقيات العمل السياسى ولا بقيمة الشهادة وحسابها عند الله، ولا نقول الوفاء لمن خدموا البلد وأعطوها حياتهم.. وهكذا ضاع الحق بينهم، ولم يعد الوفاء سوى أثر من ذكريات الماضى.

بمنتهى البجاحة يوجهون النقد للثورة لأنها حددت الملكية الزراعية، وأصدرت قوانين الإصلاح الزراعى، وبذلك قضت على الإقطاع، وجعلت الفلاحين الأجراء يمتلكون الأرض ويرفعون رؤوسهم أمام أسيادهم بعد أن كانت رؤوسهم منكسة مئات السنين.. ولا يخجلون من القول بأن الإقطاع كان أفضل.. لأن الملكيات الكبيرة أكثر إنتاجية، والإقطاعيون أكثر مقدرة على إدارة المزارع الكبيرة.. ويقولون أيضا إن أحوال الفلاحين كانت أفضل عندما كانوا حفاة.. أميين.. يورثون أبناءهم الفقر والجهل والمرض..

ويقولون إن الثورة أخطأت عندما قضت على الرأسمالية وعلى سيطرة رأس المال على الحكم، وجعلت للعمال صوتا فى البلد، وفى عضوية مجالس إدارات الشركات والمجالس المنتخبة.

وأخطأت عندما أخرجت الاستعمار البريطانى وأنهت وجود الاحتلال وسيطرة السفارة البريطانية على الحكم.

وأخطأت عندما قضت على الأحزاب الواهية الفاسدة ويدعون أنها كانت تمثل أزهى عصور الليبرالية فى مصر!

وأخطأت عندما رفعت شعار القومية العربية وحاولت توحيد العالم العربى. وجعلت مصر جزءا لا يتجزأ عن الوطن العربى الكبير.. ويرون أن وجود الدول العربية شظايا متناثرة كان أفضل!

وأخطأت فى بناء السد العالى لأنه حرم البلاد من طمى النيل ومن السردين!

وأخطأت عندما قامت بتأميم قناة السويس وجعل إدارتها بيد المصريين!

وأخطأت عندما حاكمت من تآمروا عليها وأرادوا الاستيلاء على السلطة لصالح الرجعية والاستعمار، وهم يرفعون شعارات براقة ويضعون أقنعة زائفة.

وبعد مرور 51 عاما كان المفروض أن تهدأ نار الحقد على الثورة ورجالها.. وكان المتوقع أن يظهر مؤرخون حقيقيون بدلا من هؤلاء المؤرخين المزورين والمرتزقة.. ليكتبوا تاريخ الثورة بموضوعية وحياد ودون تحيز.. ويقولوا الحقيقة كاملة لجيل جديد لم يشهد قيام الثورة، ولا يعرف حال البلد قبلها، ولم يعايش التطورات والأحداث والصراعات والمؤامرات الخارجية والداخلية التى أثرت فى مسار الثورة وحكمت توجهاتها وقراراتها وانتصاراتها وهزائمها.. هذا الجيل من الشباب يجب أن يعرف الحقيقة.. وهذا حقه.. ولكن سوء الحظ جعل كثيرا من أعداء الثورة الذين صمتوا دهرا يتحركون الآن لينطقوا كفرا.. ومن المؤسف أن يقع جيل كامل من شبابنا ضحية لأقوال وكتابات متحيزة ومغرضة ليس لها هدف سوى تصفية حساباتها مع الثورة.. بعد أن اختفى قادتها ورموزها.. وأصبحت الساحة خالية لهم.. وإذا خلا الجبان بأرض.. طلب الطعن وحده والنزالا.. كما قال شاعرنا القديم .. و أسوأ من ذلك أن بعض من كانت لهم أدوار ثانوية، ولم يقتربوا من دائرة صنع السياسات، ولم يطلعوا على شىء مما كان يجرى فى أروقة الحكم.. وجدوا الفرصة سانحة لهم ليكتبوا ما أسموه مذكرات ويملأوها  بادعاءات وأكاذيب لا حصر لها.. أعطوا لأنفسهم قيمة لم تكن لهم.. وجعلوا أنفسهم أبطالا بينما لم يكن يعرفهم أحد.. بعضهم قال: إنه هو الذى صنع الثورة وخطفها منه جمال عبد الناصر.. وبعضهم قال إنه كان البطل الذى  واجه اللحظات الصعبة حين تردد أو اختفى عبد الناصر.. وبعضهم قال إنه كان يطالب بالديمقراطية، ولهذا اختلف مع عبد الناصر.. وبعضهم قال إنه كان يضرب عبد الناصر ويكتف يديه عندما كان عبد الناصر يعصى له أمرا.. وكلام كثير مضحك ومحزن.. مضحك لأنه كلام لا يصدقه إلا السذج، ومحزن لأن هؤلاء كان الناس يتصورون أنهم رجال.. وقليل منهم كان قريبا من عبد الناصر وشارك فى كل قرار؛ فلمــاذا يأتى بعد موت عبـد الناصر بسـنوات ليعلن اختلافه مع عبد الناصر ولم يعلنه فى حينه، وحتى لم يقدم استقالته.. وبعضهم لم يلتق بعبد الناصر سوى دقائق.. وكان من موظفى المكاتب فكيف يتحدثون عن أدوارهم فى صنع السياسات.. ثم هناك مؤرخو آخر الزمان.. الذين جعلوا المنهج والحياد والموضوعية لعبة فى أيديهم.. وملأوا أرفف المكتبات بكتب وسودوا صفحات الجرائد بمقالات لن يبقى منها للتاريخ غير ذكرى أصحابها المخجلة.. وبعضهم لن يكون له ذكر فى التاريخ على الإطلاق، وكم من الأقوال والكتابات والرجال سوف يطويهم إلى النسيان!

واليوم ونحن نحتفل بمرور 51 عاما على الثورة نأمل أن تنتهى موجة الحقد والكذب.. ويعود إلى الفكر المصرى صفاؤه وموضوعيته، لأننا لن نستطيع بناء الحاضر والمستقبل إلا على أساس ما تم بناؤه قبلنا.. وتاريخ الأمم لا يمكن أن يكون حلقات منفصلة وإلا أصيبت الأمة بانفصال الشخصية.

وكلما قرأت شيئا من السفاسف التى يكتبها البعض عن الثورة أشفق على الشباب، لأن غرس الشك فى كل الرجال وكل الأحداث لن يكون له سوى نتيجة واحدة هى أن يفقد هذا الجيل الثقة فى الماضى والحاضر والمستقبل.. ويتعمق فيه الإحساس باللامبالاة.. مادام كل الرجال خونة.. وكل المبادئ زائفة.. وكل الأعمال باطلة .. من أين تأتى الثقة بعد ذلك فى أى شخص وأى مبدأ وأى سياسة.. وفى النهاية لماذا نشكو من عدم الانتماء وغياب روح الوطنية، وهذا هو الحصاد المر لما يزرعه هؤلاء اللئام؟

ومع ذلك .. فالحق هو الحق.. قد يختفى وقد ينهزم يوما.. ولكنه بالتأكيد سوف يظهر وينتصر فى النهاية.. هل تعرفون لماذا؟ لأن الله هو الحق !

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف