السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

إسرائيليون.. فى المكتب البيضاوى!

فى المكتب البيضاوى يجلس رئيس الولايات المتحدة وحوله مجموعة من الرجال وسيدة واحدة: الرجال هم بول وولفويتز مهندس الحروب الأمريكية فى أفغانستان والعراق وما بعدهما وكان نائب وزير الدفاع فى إدارة بوش الأب وهو الآن يشغل نفس المنصب، وديك تشينى نائب الرئيس الآن الذى كان وزيرا للدفاع فى إدارة بوش الأب، وهو الذى تولى إدارة حرب الخليج عام 1990  ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع الآن الذى كان وزيرا للدفاع فى عهد الرئيس فورد وظل فى دائرة القرار بعد ذلك وحتى اليوم.

وبول وولفويتز هو صاحب نظرية الحرب الوقائية أو الحرب لمجرد الشك فى وجود خطر محتمل على الولايات المتحدة، والحرب لتأكيد التفوق العسكرى لأمريكا، والحرب بدون إعطاء أهمية للحلفاء أو للشرعية الدولية، وعدم الالتزام بالمعاهدات والتعاقدات التى أبرمتها الولايات المتحدة، ومساندة إسرائيل فى كل ما تفعل وكل ما تريد.

ولا يمكن فهم ما يجرى فى المكتب البيضاوى، والأجواء المحيطة بالرئيس الأمريكى، والمؤثرة فى قراراته، إلا بمعرفة شخصية بول وولفويتز ونظريته الاستراتيجية.

وفى مجلة نيويورك تايمز فى 22 سبتمبر 2002 قال الكاتب الصحفى بيل كيلر (تسمع دائما من بعض الناقدين لوولفويتز بعيدا عن كاميرات التليفزيون وأجهزة التسجيل أن إسرائيل لها تأثير قوى جدا على هذا الرجل، وربما لا يعلمون الأسباب، ومنها أنه كان فى فترة مراهقته وشبابه يقضى إجازة نصف السنة فى إسرائيل، وأن أخته متزوجة من إسرائيلى، وأنه الآن صديق لجنرالات ودبلوماسيين إسرائيليين، وأنه يعتبر من الأبطال فى حركة المحافظين الجدد اليهودية). وولفويتز الآن هو أقوى شخصية، وصاحب النفوذ الأكبر فى البنتاجون بعد - وربما قبل - وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وعمل علانية حلقة وصل بين الحكومة الأمريكية والمؤسسات المؤيدة لإسرائيل مثل اللجنة الأمريكية الإسرائيلية America Israel Public Affairs Committee. وفى خطاب للجنة الأمريكية الإسرائيلية فى 4 مايو 2001 قال: (عندما كان صدام حسين يطلق صواريخ سكود المرعبة على إسرائيل فى حرب الخليج 1990 كنت هناك مع نائب وزير الخارجية لورانس ايجلبرجر، ورأينا الأطفال يذهبون إلى مدارسهم وهم يحملون أقنعة واقية فى علب مزخرفة بشكل مبهج، لمحاولة صرف أذهانهم عن إمكان تعرضهم للدمار الشامل)، وأمام اللجنة اليهودية الأمريكية قال: (إن العراق والدول غير المسئولة الأخرى مثل إيران وسوريا، هى دول فى مرمى صواريخ إسرائيل وحلفائنا فى المنطقة).

ويقول مايكل ليند فى كتابه (صنع فى تكساس) إن إسرائيل- بالمناسبة- تنتهك القواعد والمعاهدات الدولية وتمتلك مئات من الأسلحة النووية، وكميات غير معلومة من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، ولكن الحديث عن ذلك من المحرمات فى الصحافة الأمريكية، أو فى السياسة الأمريكية.

ونواصل القراءة فى هذا الكتاب الصريح الذى يغوص فى أعماق الرجال الذين يسيطرون على مراكز صنع السياسات واتخاذ القرار فى أمريكا..

يقول: إن المزعج بنفس الدرجة هو العلاقة القوية بين حزب الليكود وزعيمه شارون وريتشارد بيرل الذى كان رئيسا لهيئة سياسة الدفاع وهو الآن عضو فيها، وهى هيئة استشارية مؤثرة فى السياسة الخارجية الأمريكية.. وفى إدارة بوش صقر آخر من جماعة وولفويتز هو دوجلاس فيث، وهذا الرجل له تعاملات واسعة مع إسرائيل، وفى سنة 1996 كُلف بيرل وفيث وآخرون بإعداد وثيقة لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نيتانياهـو، وجــاءت الوثيقــة بعنــوان : (اســـتراتيجية جـديدة لتأمين العالم  A New- Break: A New Strategy for Securing the world وفيها اقترح بيرل وفيث على الإسرائيليين الخروج بشكل منظم من عملية السلام، وبعد ذلك بسنة كتب دوجلاس فيث مقالة بعنوان (استراتيجية لإسرائيل) اقترح فيها أن تعيد إسرائيل احتلال المناطق الخاضعـة لحكـم السلطـة الفلسطينية حتى لو كان الثمن بالدم كبيرا! وفى أوائل 1993 فى مجلة (فورن افيرز) كتب فيث مقالا بعنوان (المصلحة القومية) قال فيه إن اليهود لهم الحق فى الاستيطان الدائم فى الضفة الغربية.. وفى 13 أكتوبر 1997 احتفلت المنظمة الصهيونية فى أمريكا بتكريم دوجلاس فيث ووالده، وأعلنت أنهما أبرز المحبين لإسرائيل والنشطاء المؤيدين لها، وأصبح دوجلاس فيث بعد تعيينه نائبا لوزير الدفاع المختص بالسياسة هو الرجل الثالث بين أهم صانعى السياسة فى وزارة الدفاع حاليا، وبعد أن تولى ريتشارد بيرل ودوجلاس فيث منصبيهما فى إدارة بوش الثانى نفذ شارون، بمساندة الإدارة الأمريكية، السياسة الجديدة بالتنكر لعملية السلام، واتفاق أوسلو، وإعادة احتلال الضفة الغربية، وكان الثمن بالدم كبيرا كما توقع فيث.

***

ويقول الكتاب: لم تكن الروابط المزعجة بين اليمين الإسرائيلى والمحافظين الجدد فى الحكومة الأمريكية مقصورة على المسئولين الأمريكيين من اليهود وحدهم، فقد اندمج ديك تشينى وجون بولتون مع المعهد اليهودى لشئون الأمن القومى Jewish Institute for National Security Affairs وهى جماعة من جماعات الضغط فى أمريكا مقرها فى واشنطن، أنفقت ملايين الدولارات من أجل نشر آراء اليمين المتطرف فى إسرائيل. وبالنسبة لكثير من المحافظين الجدد اليهود وغير اليهود، أصبحت إسرائيل منذ فترة طويلة هى الشريك الأكبر لأمريكا فى سياسات العالم، واحتلت بالنسبة لأمريكا المكانة التى كانت لبريطانيا من قبل، حتى أن رجلا مثل ويليام بنيت وزير التعليم السابق، وهو كاثوليكى من التيار المحافظ الجديد، أعلن أن الولايات المتحدة وإسرائيل وحدهما من بين دول العالم، مشتركتان فى القيام بمهمة من الرب وقال: (أنا نفسى، واحد من عشرات الملايين الذين رأوا فى تأسيس وازدهار الدولة اليهودية اليد التى امتدت من الرب بالخير شاهدة على تأسيس دولتنا والرب هو الذى وجه مصائرنا)..

وفى أعقاب هجمات سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن، أعلن كثير من الشخصيات البارزة فى تيار المحافظين الجدد شعارا هو (الآن نحن كلنا إسرائيليون) وما كان يبدو تعبيرا مجازيا أصبح الآن برنامجا للسياسة الخارجية الأمريكية بعد أن تولى الرئيس بوش قيادة الولايات المتحدة، فقد اندمجت الحكومة الأمريكية مع حكومة إسرائيل بدرجة لم يسبق لها مثيل فى تاريخ أمريكا، ولا حتى فى أيام التعاون الأمريكى البريطانى أثناء الحرب العالمية الثانية، ولم يصل أنصار بريطانيا فى الإدارة الأمريكية أبدا إلى الدرجة التى وصل إليها أنصار إسرائيل الذين أصبحت لهم الهيمنة على السياسة والإعلام، بحيث مارس اللوبى الإسرائيلى الضغوط على المخالفين لهذا الاتجاه فى الكونجرس ووسائل الإعلام الكبرى.. ووصل الأمر إلى أن بعض المسئولين فى الحكومة الأمريكية وصفوا استراتيجية بوش بأنها إضفاء السمة الإسرائيلية على السياسة الخارجية الأمريكية وأطلقوا عليها اسم: Israelization. وبالفعل وقفت إدارة بوش فى جانب أرئيل شارون فى الصراع الإسرائيلى الفلسطينى، إلى درجة معاملة ياسر عرفات- الرئيس المنتخب الشرعى للفلسطينيين- على أنه مجرد مجرم ترفض الولايات المتحدة التعامل معه.

مؤسسة (مشروع لتحديث أمريكا) The Project for the New American Country مؤسسة فكرية من التيار المحافظ الجديد تنشر فكر وولفويتز وجماعته، طالبت الإدارة الأمريكية ليس فقط بالقضاء على نظام صدام حسين، ولكن بتهديد إيران، وسوريا، وحزب الله، ودول أخرى، ومنظمات وجماعات نضالية متفرقة فى أنحاء العالم لا يوجد شىء مشترك بينها، سوى أنها تعارض إسرائيل. والمحافظون الجدد عموما يرون أن على الولايات المتحدة أن تتبع تكتيك الحرب الوقائية الذى نفذته إسرائيل حين هاجمت العراق ودمرت المفاعل النووى يوم 7 يونيو 1981، ويطالبون الإدارة الأمريكية بالمضى فى العمل وحدها فى إعادة تنظيم العالم وفقا لسياستها الأحادية الجديدة، وازدراء الأمم المتحدة والقانون الدولى، كما فعلت إسرائيل باحتلالها للأراضى الفلسطينية فى 1967، وبتأثير النموذج الإسرائيلى على المحافظين الجدد فى إدارة بوش، بدأت الولايات المتحدة، التى أصبحت تملك قيادة العالم، تعمل كأنها دولة منبوذة دوليا، وغير آمنة، ومحاصرة مثل إسرائيل تحت قيادة الليكود!

***

الصقور اليهود فى إدارة الرئيس بوش الابن معهم مجموعة من الكتاب والصحفيين المعبرين مثلهم عن تيار اليمين المتشدد الموالى لإسرائيل.. من أمثال وليم كريستول، وتشارلز كروثامر، ووليام صافير.. ليسوا وحدهم الممثلين للأمريكيين اليهود فى أمريكا بوجه عام، فقد كان معظم الناخبين اليهود فى عام 2000 يفضلون آل جور أكثر من جورج بوش، ولو كان آل جور هو الذى فاز وأصبح رئيسا للولايات المتحدة، لم يكن يسمح لشارون بتدمير القاعدة الأساسية للدولة الفلسطينية، أو لوضع الغزو والاحتلال الأمريكى للعراق على رأس الأولويات الأمريكية أو تبنى سياسة راديكالية من نظرية العمل الأحادى الأمريكى دون أخذ الإرادة الدولية فى الاعتبار أو إبداء الاحترام للحلفاء، كما فعل الرئيس بوش بنفس الأسلوب الإسرائيلى فى عهد الليكود.. لم يكن آل جور يفعل شيئا من ذلك رغم التزامه المبدئى بحماية إسرائيل ومصالحها، ولو نجح آل جور فإن جماعة المحافظين الجدد من اليهود وغير اليهود فى الحزب الجمهورى كانوا سيحرمون من الفرصة الذهبية التى منحها لهم الرئيس بوش، وبحيث أصبح تأثيرهم هو الأقوى فى تحديد وتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية، لذلك كان من مصلحة هذا التيار أن يتحالف هذا التحالف التكتيكى مع الجناح المؤيد لانتخاب بوش، وهم منذ الآن يعملون على كسب الناخبين من البروتستانت الجنوبيين البيض، لإعادة انتخاب بوش للمرة الثانية فى انتخابات الرئاسة 2004، والمحافظون الجدد من أمثال بول وولفويتز هم الذين يقدمون للرئيس بوش الفكر الاستراتيجى للسياسة الخارجية، بينما يقدم تيار المحافظين فى الجنوب الأمريكى القوة السياسية للرئيس بوش.

***

والنزعة الإمبريالية الأحادية الجانب لهؤلاء المحافظين الجدد، ابتداء من سياستهم المؤيدة لإسرائيل بقوة غير مسبوقة، والمعادية للعراق بشدة، هذه النزعة الإمبريالية تمتد جذورها فى السياسة الوطنية والثقافة السياسية القديمة لمجتمع البيض المحافظين فى الجنوب الأمريكى.. وقد ظهرت هذه النزعة عندما قرر الرئيس بوش إلغاء قانون السماح ببيع الأسلحة الصغيرة دون قيود، وثار جدل حول مدى انتهاك ذلك للحق الدستورى للمواطن الأمريكى فى امتلاك مسدس أو بندقية، وظهر فى ذلك الجدل التأثير القوى للعرف السائد فى الجنوب الذى يرى أن الحق فى امتلاك بندقية غير قابل للمناقشة.. وكان ذلك تعبيرا عن الروح العسكرية القتالية الجنوبية والتشدد الدينى فى الجنوب، هذه الروح التى نشأ فى ظلها الرئيس بوش.

فالرئيس بوش: ابن الجنوب الأمريكى وابن تكساس بالذات تأثر بالقطع بالثقافة والروح والتراث الجنوبى، وأبناء الجنوب الأمريكى البيض ليسوا انعزاليين، ولا يتجنبون القتال، وهم الذين كانوا دائما أشد تأييدا للحروب الأمريكية فى الخارج من الشماليين البيض،وهم -تاريخيا- المتحمسون لكل حرب تخوضها أمريكا منذ القرن الثامن عشر وحتى الآن، وهذه الحقيقة أثبتها المؤرخ الأمريكى ديفيد هاكيت فيشر Hackett Fischer وقال عنها: ابتداء من الحرب مع فرنسا عام 1798 إلى حرب فيتنام كانت الثقافة الجنوبية هى المؤيدة لكل حرب أمريكية مهما كان سببها ومهما كان العدو الموجهة ضده، وقد توحدت أفكار الجنوبيين المتعلقة بالشرق والأخلاق الحربية لخلق الحماس لحروب إقليمية شديدة فــى أعــوام 1798 و1812   و1846 و1861 و1898 و1917و1941 و1950 و1965.. وفى استطلاع أجراه معهد جالوب فى أغسطس 2002 أجمع 24% من الجنوبيين على ازدراء الحلفاء الغربيين وقالوا: إن على الولايات المتحدة أن ترسل القوات لغزو العراق، دون انتظار تأييد أحد من الحلفاء الغربيين للعمل العسكرى، بينما وافق 15% فقط فى الغرب الأوسط على غزو العراق بدون الحلفـاء، أمــا مبدأ غزو العراق فى ذاته فقد أيده 64% فى الجنوب، وعندما صوت مجلس النواب فى 10 أكتوبر 2002 على قرار تفويض الرئيس بوش بالحرب ضد العراق، صوت أغلبية الديمقراطيين ضد القرار، أما الديمقراطيون الذين انشقوا على حزبهم وأيدوا حرب بوش فكانوا من الولايات الجنوبية مثل تكساس، والاباما واكنساس وفلوريدا وكنتاكى ولويزيانا والمسيسيبى والأعضاء الديمقراطيون من تنسى انضموا فى التصويت إلى الحزب الجمهورى وأعطوا أصواتهم للحرب.. لذلك كتب جوزيف مارفن فى مذكرات بعنوان (المحارب الجنوبى الأبيض) يقول: منذ عام 1865 حتى اليوم فإن القادة الأمريكيين الوطنيين لا يحبوننا نحن الجنوبيين البيض إلا عندما يريدون الذهاب للحرب..

فالجنوبيون البيض مؤيدون دائما للحرب والتدخل العسكرى الأمريكى فى الخارج، وهذا التأييد يأخذ دائما شكل العسكرية الأحادية، بمعنى أن تقوم أمريكا بالحرب وحدها ودون إعطاء أهمية للحلفاء،وهذا الاتجاه يتماشى مع الاتجاه المقابل وهو ازدراء العمل السياسى والدبلوماسى، وهذه الروح قديمة منذ الأيام الأولى لنشأة الجمهورية الأمريكية، وكان الجنوبيون البيض يمثلون النسبة الأكبر فى الجيش الأمريكى، بينما يمثلون نسبة قليلة فى السياسة والدبلوماسية الخارجية التى كانت إلى وقت قريب معقلا للارستقراطية فى الشمال الشرقى، وخلال القرن العشرين كان كثير من الجنوبيين البيض معادين لعصبة الأمم، ثم للأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، ويرجع هذا العداء لسببين: أحدهما عنصرى، والآخر دينى.. السبب العنصرى هو الخوف من أن تفسر معاهدات حقوق الإنسان  الدولية على أنها تعنى انتهاء التمييز العنصرى فى الجنوب، وإن كانت الإصلاحات التى أدخلت على قوانين ونظم الحقوق المدنية فى الستينات قد غطت على هذا المنطق الرافض لإلغاء التمييز العنصرى إلا أن هناك من ظل يرفض بقوة تطبيق مبدأ المساواة وإلغاء التمييز العنصرى، كما فعل السناتور جيسى هيلمز Jesse Helms من نورث كارولينا الذى ظل صامدا بعد عشرات السنين من حركة الحقوق المدنية لمنع تصديق مجلس الشيوخ على عدة اتفاقيات دولية لحقوق الإنسان.

***

والأهم من النزعة العنصرية فى الوقت الحاضر هو الدافع الدينى لمعاداة المنظمات الدولية، وهو يتمثل فى اعتقاد الكثير من المتشددين البروتستانت الجنوبيين فى رؤية كل تكتل دولى على أنه خاضع لسيطرة الشيطان، سواء كان ذلك التجمع هو الأمم المتحدة، أو الاتحاد الأوروبى، أو أى منظمة دولية أو تكتل متعدد القوميات.. كلها تجمعات يحكمها الشيطان! وهذا شىء يصعب فهمه وتصديقه، ولا يستطيع معظم الأمريكيين وغير الأمريكيين أن يكون فى أمريكا مثل هذا الفكر وأن يكون فى أكثر المجتمعات الصناعية تقدما فى العالم من يؤمن بذلك، ولكن هذا هو الواقع، لأن ملايين الأمريكيين، خاصة فى الجنوب (الجوانى) نشأوا على سماع القسس والوعاظ فى الكنائس، والتليفزيون والإذاعة وهم يؤكدون أن الاتحاد الأوربى هو أحد قرون التنين ذى الرؤوس المتعددة، الـذى ورد ذكره فى سفر الرؤيا.. وأن الأمم المتحدة هى الوحش الذى جاء وصفه فى  الكتاب المقدس.. وكثير من أعضاء القاعدة اليمينية المتعصبة دينيا للحزب الجمهورى يؤمنون بهذه الأيديولوجيا المتعلقة بسفر الرؤيا، وتتردد كلمات منه فى أقوال السياسيين المحافظين ومنهم الرئيس جورج دبليو بوش.. وهو يستخدم عبارات ذات معان مزدوجة.. معنى يفهمه الجمهور العام، ومعنى يفهم ما وراءه المحافظون.. وكمثال على ذلك عندما كان الرئيس بوش يدافع عن حملته على اشتراك قوات حفظ السلام الأمريكية فى إطار الأمم المتحدة فى البوسنة وغيرها، اعتقد معظم الأمريكيين أن هذا الموقف يعكس الروح العسكرية المميزة للحزب الجمهورى، ولكن الحقيقة أنه كانت هناك أسباب دينية لتوجه بوش، كذلك كان الدافع الدينى وراء إصرار بوش على إعفاء الجنود الأمريكيين من المحاسبة والخضوع للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية  على جرائم الحرب التى يرتكبونها، وتمسك بوش بذلك، وهدد بسحب القوات الأمريكية من قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام فى البلقان ما لم يتم استثناء الجنود الأمريكيين دون سائر جنود وجيوش العالم.. وباستثناء إسرائيل!

وليس من السهل فهم هذه المعتقدات الدينية فى الجنوب.. لكن الكلمات والأفعال التى يكون لها معنى واحد  عند الصفوة السياسية فى مختلف الدول، يكون لها معنى آخر فى المسيسيبى، وفرجينيا، وتكساس،ولذلك كشفت استطلاعات الرأى أن أقل نسبة من المؤيدين لمشاركة الولايات المتحدة فى جهود حفظ السلام فى كوسوفو كانت من الجنوبيين، ومن الذين لم يحصلوا على مؤهلات جامعية.

ويرتب المؤلف على ذلك أنه من الخطأ إرجاع الأحادية الراديكالية لرئاسة بوش إلى سبب واحد مثل الظروف الدولية الجديدة، أو تفسير سلوك وفكر بوش على أنه ترجمة لنظريات هذا المفكر أو ذاك من صانعى السياسة فى التيار المحافظ  الجديد.. فهناك ما يضاف إلى هذين العاملين.. فإن صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة لا يقتضى أن تكون سياستها سياسة أحادية، بل إن هذه الأحادية ليست ضرورية، وليست مطلوبة وقد كانت الولايات المتحدة  بعد عام 1945 أقوى بكثير من القوى الدولية الأخرى.. بل إن قوتها بعد الحرب العالمية الثانية تفوق قوتها التى وصلت إليها عام 1989.. فقد كانت تسيطر على نصف الإنتاج الصناعى، وعلى معظم القوة العسكرية فى العالم، وفى هذه الفترة قررت توظيف قوتها وثروتها لخلق نظام عالمى قائم على أساس المؤسسات الدولية، والآن وصلت أمريكا إلى الانفراد بالقوة حقيقة.. لكنها قوة أقل مما كانت عليه بعد الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك قرر بوش تفكيك الأمم المتحدة وتجاهل المنظمات الدولية.

***

وفى رأى المؤلف أنه يجب عدم المبالغة فى تأثير المفكرين من التيار المحافظ فى هذه النزعة الأحادية المحافظة، وإن كان أكثر المفكرين الاستراتيجيين تأثيرا فى إدارة بوش هو بول وولفويتز الذى عمق مبدأ تدخل الولايات المتحدة عسكريا وعلى نطاق واسع لتأكيد تفوقها العسكرى على كافة القوى الدولية الأخرى، ولكن وولفويتز قدم هذه النظرية فى مذكرة (تخطيط سياسة البنتاجون) فى عام 1992 عندما كان يخدم فى إدارة بوش الأول ولم تكن حجته التى قدمها عام 2001 لدعم هذه النظرية تختلف كثيرا عما قدمه من قبل، لكن الاختلاف الذى حدث وجعل لهذه النظرية تأثيرا كاسحا فى رئاسة بوش الثانى هو تزايد نفوذ الجنوبيين البيض فى الحزب الجمهورى وفى إدارة بوش.. الاختلاف كان بين الأب الشمالى الشرقى صاحب الحديث اللين الذى يؤيد العمل السياسى والدبلوماسى، ويضع فى اعتباره المؤسسات الدولية، والحلفاء وبين الابن الجنوبى، البروتستانتى، المولود من جديد ميلادا دينيا متشددا، وينتمى حقيقة لثقافة تكساس.

وما حدث هو أن مذهب وولفويتز-بوش القائم على العسكرية الأحادية والمتأثر بالأحادية العسكرية الإسرائيلية فى حكومة الليكود، توحد بسهولة مع تقاليد الجنوب الأمريكى فى السياسة الخارجية.. وقد شرح المؤرخ والمحلل السياسى البارز والتر راسل نيد هذه التقاليد وأطلق عليها اسم (التقاليد الجاكسونية) وإن كان ذلك يبدو غريبا للبعض، فإن ذلك لأنه لم يتم انتخاب رئيس محافظ جنوبى لأمريكا منذ عهد بعيد، من قبل الحرب الأهلية حتى عام 2000 عندما جاء بوش ومعه التقليد العسكرى للجنوب الأمريكى المتأصل مع نزعة الارستقراطية البريطانية التى نقلها الفرسان فى عهد الاستعمار البريطانى للجنوب الأمريكى وشاركهم الجنوبيون البيض أما التشابه بين السياسة الخارجية لأمريكا بقيادة بوش الثانى، وسياسة إسرائيل بقيادة شارون فإنه يعكس تأثير ثقافة الجنوبيين البروتستانت المتشددين.

***

وأهم شخصيـة كـان لهـا تأثير كبير عـلى سيـاسـات بوش الثـانى فى الشـرق الأوسـط هى شخصيـة واعظ بريطانى مات منـذ عهد طـويل،  هو جـون نيلسـون داربى  ( Darby   ( 1882  -1800   ومن المستبعد أن يكون بوش قد سمع عن هذا الواعظ، ولكن التقاليد البروتستانتية التى أسسها كان لها تأثير عميق على سياسة الجنوب الأمريكى وهى التى تأثر بها بوش وانعكس ذلك على السياسة الخارجية الأمريكية فى عهده.

كان جون نيلسون داربى قسا بريطانيا من أيرلندا، ترك كنيسة إنجلترا فى العشرينات من القرن التاسع عشر، وأسس طائفته الخاصة به، وأسماها طائفة الإخوان، وانتشرت هذه الطائفة فى الجزر البريطانية، وانتقلت إلى ألمانيا وإلى أمريكا الشمالية وأماكن أخرى، وعلى مدى السنين بلور داربى نظريته عن التدبير الإلهى لشئون العالم قبل عودة المسيح ليحكم العالم ألف عام بالعدل وينشر الحب والسعادة.. ووفقا لنظرية داربى فإن إسرائيل سيعاد تأسيسها من جديد كدولة.. وسيتدخل الرب فى كل مرة لإنقاذ إسرائيل، وفى  النهاية سيتم تدمير إسرائيل فى معركة هرمجدون، وفى هذه المعركة تتوحد الدول ويقود المسيخ الدجال هذا التحالف، ويعتقد كثيرون أن المسيخ الدجال سيكون يهوديا مرتدا، وسيقتل معظم اليهود، ولكن 144 ألفًا منهم سيتحولون إلى المسيحية، وبعد ذلك سيعود يسوع المسيح بجسده إلى الأرض، ويهزم المسيخ الدجال، وعندئذ سيتم استرداد المعبد اليهودى على الأرض القائم عليها اليوم المسجد الأقصى بجانب هيكل سليمان وعرش داود، وينشئ يسوع حكومة للعالم.. حكومة دينية ثيوقراطية.. وسيحكم كدكتاتور عادل وخير لمدة ألف عام، وفى هذا العصر يهرب الشيطان ويختفى وينهزم مرة أخرى إلى الأبد.

هذه هى نظرية القس جون نيلسون داربى وكان أول بروتستانتى إنجيلى أمريكى يتبنى هذه النظرية هو دوايت مودى، مؤسس معهد مودى بايبل فى شيكاغو وهذه النظرية هى التى جعلت المتشددين البروتستانتيين الأمريكيين يؤمنون بأن تأسيس دولة إسرائيل علامة على اقتراب نهاية التاريخ، ويرون أن انتصار إسرائيل عام 1967 وغزوها واحتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة خلق موجة من التحمس الأقرب إلى الرؤية الدينية، وأصبحت لقضية عودة اليهود من كل أنحاء العالم إلى الأرض المقدسة أولوية عند اليمين الجنوبى حتى من قبل أن يهيمن اليمين الجنوبى على الحزب الجمهورى.

ويذكر الصهـاينة البروتستانت مع الصهاينة اليهود المتشددين وعـد الرب فى سفر التكـوين ( 15 – 18 ) (لنسلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى نهر الفرات العظيم) وبحلول عام  2002 بدأ المتشددون البروتستانت فى الولايات المتحدة برنامجا لتبنى الاستيطان، ولعب المتشددون من تكساس دورا قياديا، وقبل ذلك فى عام 1998، أعلن جون هاجى Hagee القس فى كنيسة كورنستون بسان انطونيو بولاية تكساس أن الأبرشية ستعطى مليون دولار إضافية لإسرائيل لإعادة توطين اليهود من الاتحاد السوفيتى السابق فى الضفة الغربية والقدس، وعندما قيل له إنه وفقا للقانون الأمريكى فإن المستوطنات اليهودية فى الضفة الغربية غير شرعية قال هاجى: (أنا عالم بأمور الكتاب المقدس، أنا رجل دين، وأرى من وجهة نظرى أن القانون الإلهى يفوق قانون حكومة الولايات المتحدة ووزارة الخارجية الأمريكية). وهكذا رسخ القس هاجى الاستعمار الإسرائيلى للأرض المغتصبة من أصحابها العرب فى الضفة الغربية وقطاع غزة على أساس أن ذلك تحقيق لنبوءة الكتاب المقدس.. وهذا هو الأساس الذى يجعل بعض المتشددين الأمريكيين يتحالفون مع المتعصبين الدينيين اليهود الذين يحلمون بتدمير المسجد الأقصى من أجل إقامة معبد يهودى على أرضه.

***

ويستدعى هذا الكتاب إلى الذهن كتابا آخر نشر منذ سنوات بعيدة بعنوان (القبيلة الثالثة عشرة) من تأليف آرثر كوستلر، وقد أثار ذلك الكتاب ضجة كبرى فى العالم، وقامت الجمعيات الصهيونية بجمعه من الأسواق وأحرقوا جميع النسخ، وقال عنه النقاد البريطانيون إنه كتاب من الكتب التى تحدث الانفجار.. كتبه أستاذ من القادرين على تبسيط الآراء العلمية..

وكتاب القبيلة الثالثة عشرة يتتبع تاريخ اليهود عبر العصور وينتهى إلى حقيقة أن الأثر الاجتماعى والاقتصادى والسياسى لليهود، لم يكن فى أى وقت يتناسب مع عددهم، ولكنهم كانوا-ومازالوا-قادرين دائما على السيطرة على الاقتصاد، حدث ذلك فى بريطانيا وبولندا وفرنسا وألمانيا، وكانوا دائما يبدأون شهر العسل وبعده يتفرغون للشقاق، ويحصلون على الامتيازات منذ القرون الأولى ويصلون بعد فترة إلى السيطرة على مقاليد البلاد..

ومن التاريخ القديم ما يجرى أمام عيوننا، فالرئيس بوش أعلن رسميا أكثر من مرة التزام الولايات المتحدة والتزامه شخصيا بأمن إسرائيل، والإدارة الأمريكية كل يوم توجه اللوم إلى الفلسطينيين بسبب رفضهم للاحتلال ومقاومة العدوان الإسرائيلى على أرضهم وأملاكهم وأرزاقهم وتسميه إرهابا، بينما تمتدح شارون وهو يقتل الفلسطينيين بالصواريخ والطائرات الأباتشى ويحاصرهم ويدمر بيوتهم وتسميه رجل السلام..

والخلاصة أن التنسيق كامل بين المواقف الأمريكية والمواقف الإسرائيلية إلى درجة التطابق، بحيث لا نكاد نعرف أين تنتهى سياسة إسرائيل وأين تبدأ سياسة أمريكا، ولعل التصريح  الأخير للرئيس بوش يكفى لإدراك حقيقة العلاقة، فقد كرر التزامه بأن تكون إسرائيل دولة يهودية، وهو بذلك يعلن قبول إسرائيل باعتبارها الدولة الدينية الوحيدة فى العالم، وبالإضافة إلى ذلك يقصد أن تكون إسرائيل دولة مخصصة للعنصر اليهودى فقط ولا مكان فيها لغير اليهود.. وهذا مبدأ خطير لم يسبق أن أعلنه أى رئيس أمريكى من قبل، ولم يقل به أى رئيس لأى دولة أخرى فى العالم غير أمريكا..

***

كل هذا جزء من الحقيقة.

وكلما قرأنا أكثر.. وكلما فهمنا أكثر.. وجدنا أن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة علاقة عضوية معقدة تتشابك فيها المصالح الاستراتيجية والاقتصادية مع الأساطير والعقائد الدينية مع الروابط الإنسانية بين اليهود هنا وهناك.. لذلك يفيدنا جداً أن نقرأ أكثر فى هذا الكتاب. *

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف