السيرة الذاتية

صور و ذكريات

حوارات تليفزيونية و إذاعية

جوائز

مواقع صديقة

راسلنا

 
 

أسرار التحالف بين أمريكا وإسرائيل

لكى نفهم أسرار التحالف الاستراتيجى بين أمريكا وإسرائيل يكفى أن نقرأ هذا الكتاب.

ففى كل صفحة من كتاب (صنع فى تكساس) مفاجأة.. وصدمة.

الحقائق التى يكشفها هذا الكتاب عن شخصية وتفكير الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش والمجموعة المسيطرة على مراكز اتخاذ القرار فى البيت الأبيض، وعلى مواقع التأثير على الكونجرس والرأى العام.. حقائق تفوق ما كان ظاهرا من قبل.. وفى نهاية الكتاب يخرج القارئ بجوهر القضية التى يريد المؤلف مايكل ليند أن يصل إليها هى أن الإدارة الأمريكية الحالية خطر.. خطر على العرب والمسلمين.. وخطر على أوربا.. بل خطر على أمريكا ذاتها.

بعد أن يحلل مايكل ليند شخصية الرئيس بوش، ويحدد العوامل التى أثرت فى تفكيره وتكوينه العقلى، وأهمها انتماؤه إلى الجنوب الأمريكى الذى تعمقت فيه النزعة للعنف والقتال والروح العسكرية، ثم انتماؤه إلى تيار اليمين المتطرف دينيا وسياسيا الذى يربط بين أمريكا وإسرائيل ليس برباط المصالح والاعتبارات الاستراتيجية بل أكثر من ذلك برباط دينى وإيمانى تعمق فى وجدانه بعد الانقلاب الذى حدث له فى حياته وتحول بعده من سكير إلى مؤمن متدين ومتعصب أيضا!

يتحدث مايكل ليند عن الأعضاء القياديين من التيار المحافظ فى الكونجرس الذين ينتمون إلى تكساس، وهم من أشد أنصار اليمين المتطرف فى إسرائيل. ويروى ما حدث فى آخر أسبوع من إبريل 2002، فقد أعلن توم ديلاى زعيم الأغلبية أن كل الضفة الغربية أرض إسرائيل، لأن الرب أعطاها لإبراهيم ونسله، وفى أول مايو 2002 فى برنامج هاردبول Hardball بإذاعة Ms NBC أعلن زعيم الأغلبية الجمهورية فى مجلس النواب آرمى Armey تأييده لدعوة اليمين الإسرائيلى لقيام القوات العسكرية الإسرائيلية بتطهير كل الضفة الغربية وغزة من الفلسطينيين وقال: إننى أؤيد قيام إسرائيل بالاستيلاء على كل الضفة الغربية، وعندما رد كريس ماثيو المضيف فى هذا الاحتفال قال له: حسنا، أين ستضع الدولة الفلسطينية..؟ فى النرويج..؟ أجاب آرمى: إننى أعتقد أن الفلسطينيين يجب أن يغادروا، وعندئذ قال له كريس ماثيو: حسنا، فلتكرر كلامك فقط، أنت تعتقد أن الفلسطينيين الذين يعيشون الآن فى الضفة الغربية يجب أن يخرجوا منها؟ رد عليه آرمى: نعم.

وليس آرمى وحده الذى يقول ذلك علنا وهو أحد زعماء الكونجرس، ولكن هناك غيره من نفس تيار اليمين الأمريكى المتطرف المتوحد مع التيار اليمينى الإسرائيلى المتطرف، فقد اقترح أعضاء الكونجرس من تكساس طرد القوات العسكرية الإسرائيلية للفلسطينيين من وطنهم، وهم يعلمون أن عددهم فى الضفة لا يقل عن ثلاثة ملايين، ويقول مايكل ليند: وهذه جريمة حرب تشبه التطهير العرقى للمسلمين فى كوسوفا على يد الصرب الذى ذهبت القوات الأمريكية إلى هناك لإيقافه.

ويقول مايكل ليند: فى الستينات قال أحد المتشددين من تكساس من المؤمنين بأن تأسيس دولة إسرائيل علامة تدل على اقتراب نهاية العالم.. قام برحلة إلى إسرائيل وأسس جماعة صغيرة من المؤمنين بهذه الأسطورة.. هذا الرجل اسمه جورج رودين، كان من رجال الدين المسيحى المتطرفين وكان رئيسا لأبرشية فى واكو بتكساس وأطلق على هذه الأبرشية اسم (فرع الداوديين) Branch Davidians متأثرا فى ذلك بتقاليد إسرائيل القديمة.

وعلى مدار نصف قرن، فإن قادة الجناح اليمينى فى إسرائيل وأتباعهم من المحافظين الجدد الأمريكيين لم يتوانوا عن استغلال الانحياز الأمريكى لإسرائيل، فأضافوا إليه أفكار ودعوات المتشددين البروتستانت التى تستمد جذورها من تفسير جون نيلسون للكتاب المقدس، على أن فيه نبوءة قيام دولة إسرائيل على الأرض التى منحها الرب لنسل يعقوب وبقيامها يعود المسيح إلى الأرض ليحكم العالم من أورشليم (القدس) ومن هيكل سليمان الذى يقام على أرض المسجد الأقصى، ويبقى حكم المسيح للعالم ألف سنة يملأ فيها الأرض عدلا وخيرا..

هذه الأسطورة تجد من يصدقها، بل يؤمن بها، ويعمل على التعجيل بتحقيقها. ومن هؤلاء تيار اليمين الدينى الأمريكى المتعصب الذى ينتمى إليه الرئيس بوش. وهذه الأسطورة أصبحت قوة دفع لا يستهان بها فى توجيه سياسة أمريكا وسياسة إسرائيل.

ومن عام 1948 وحتى عام 1997. أبعد حزب العمل الإسرائيلى هذا التيار القومى الدينى العنصرى الفاشستى فى حزب الليكود عن المشاركة فى قيادة إسرائيل، وكان مناحم بيجن أول رئيس وزراء ينتخب من حزب الليكود، وبعده جاء اسحق شامير، وجاء أيضا بنيامين نيتانياهو الذى فعل كل ما كان فى استطاعته لتدمير اتفاقيات أوسلو، وحين جاء أرئيل شارون إلى الحكم كان هو الرجل المناسب للتعبير بفظاظة عن نوايا الليكود المسنود بالسلطة فى الولايات المتحدة، وقام بتدمير عملية السلام بالكامل، وإلغاء أوسلو بالكامل، وذلك بموافقة الرئيس بوش وإدارته.. قام شارون بتدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية، وأصدر أوامره إلى فرق الاغتيال بتصفية عدد من القادة والنشطاء الفلسطينيين، واعتقال عدد آخر من قادة السلطة الفلسطينية والمناضلين والمعتدلين، وأقنع بوش بقطع كل العلاقات مع الرئيس الفلسطينى المنتخب ياسر عرفات وحصل على موافقة بوش على وضع عرفات تحت الحصار فى مقره فى رام الله. وفى حزب الليكود أغلبية تريد ضم كل الأراضى الفلسطينية الواقعة غرب الأردن نهائيا إلى إسرائيل، والمشكلة أمام أنصار هذه الدعوة هى: هل يتم نقل ثلاثة ملايين عربى من هذه الأرض فى حركة واسعة للتطهير العرقى وإلى أين؟ أو يبقى هؤلاء ويعيشون تحت حكم إسرائيلى قائم على التمييز العنصرى، بمعنى أن يعيش العرب فى هذه المنطقة وتكون السلطة والسيادة لإسرائيل، ولا يتمتع الفلسطينيون بأية حقوق سياسية، ويكون وضعهم وضع العمال أو العبيد للمستعمرين اليهود فى ظل مناخ التمييز العنصرى.

مايكل ليند هو الذى يصف نوايا الليكود بأنها نوايا استعمارية عنصرية وهو الذى يقول إن الليكود يريد أن يكون الفلسطينيون مجرد عمال وعبيد للسادة المستعمرين..

لو قال عربى مثل هذه الكلمات لوجهت إليه تهمة معاداة السامية وقامت عليه القيامة!

***

ويقول مايكل ليند: عندما تولى مناحم بيجن الحكم عام 1977 كتب دونالد واجنر: كانت استراتيجية الليكود بسيطة تتلخص فى إبعاد المسيحيين الإنجيليين والمتشددين عن تأييد الرئيس كارتر سياسيا، وحشد المسيحيين المحافظين لتأييد إسرائيل فى معارضتها لعقد مؤتمر سلام للشرق الأوسط، وهو المؤتمر الذى طالبت به الأمم المتحدة، ومنذ ذلك الوقت أنشأ المتشددون البروتستانت غرفة عمليات لنشر آراء حزب الليكود الإسرائيلى، وهؤلاء هم الذين أيدوا غزو إسرائيل للبنان عام 1982، وهم الذين قادوا المعارضة لعملية السلام فى أوسلو، وهم الذين مارسوا الضغوط لإنهاء المفاوضات الأمريكية مع الفلسطينيين، وهم الذين يشجعون توسيع المستوطنات اليهودية، وربما كان أهم عضو فى جماعة الضغط فى حزب الليكود الأمريكى هو القس جيرى فالويل الواعظ المعمدانى فى فيرجينيا الذى أنشأ مؤسسة Moral Majority فى عام 1981 بعد أن قصفت إسرائيل المنشآت النووية العراقية، وبعدها اتصل بيجن بالقس فالويل هاتفيا لإبلاغه بنجاح الهجوم الإسرائيلى وتدمير المفاعل العراقى، قبل أن يتصل بالرئيس ريجان لإبلاغه، وإن كان الرئيس ريجان قد أدان الغارة الإسرائيلية، وقد طلب بيجن من القس فالويل إقناع المسيحيين الأمريكان بشرعية هذا القصف وإقناعهم بأن ذلك ليس عدوانا(!) وفى عام 1979 قدمت إسرائيل إلى القس جيرى فالويل طائرة نفاثة خاصة له، وفى عام 1998 عندما زار بنيامين نيتانياهو واشنطن، التقى بعدد من المتشددين البروتستانت يزيد على ألف شخص على رأسهم جيرى فالويل، وفعل ذلك قبل أن يلتقى بالرئيس الأمريكى بيل كلينتون، وطالب هؤلاء المتشددين بأن يمارسوا الضغط على الرئيس كلينتون لكيلا يضغط على إسرائيل ويطالبها بتنفيذ الاتفاقات التى وقعت عليها مع الفلسطينيين بما فى ذلك اتفاقات أوسلو.

***

قبل ذلك كان معظم اليهود الأمريكان يتوجسون من اليمين الدينى البروتستانتى، ورأى هؤلاء اليهود أن قادة اليمين المسيحى صدرت عنهم عبارات يمكن اعتبارها معادية للسامية، مثلما فعل القس بيلى سميث فى دالاس حين أعلن أن الرب لا يستجيب لدعاء أى يهودى، ومثلما فعل بات روبرتسون فى كتابه (نظام العالم الجديد) وقال فيه إن الرأسماليين اليهود ومعهم الماسونيون وعبدة الشيطان هم الذين أشعلوا الثورة الفرنسية والكثير من الحروب الكبرى خلال القرنين 19 و20، ومثلما فعل تيموثى ويبر Timothy Weber عميد المعهد اللاهوتى المعمدانى الشمالى فى شيكاغو الذى أعلن أن المتشددين الأمريكيين يجدون تقدير اليهود لأنهم يشتركون معهم فى الإيمان بالنبوءة الخاصة بعودة المسيح إلى إسرائيل، واليهود فى إسرائيل يؤمنون بهذه النبوءة، ولكنهم يحملون مشاعر سلبية تجاه اليهود الآخرين الذين ينتمون إلى اليسار سياسيا ودينيا، ولكنهم مع ذلك قادرون على التعايش معهم بهذه المشاعر المتناقضة دون شعور بالقلق.

***

القس بيلى جراهام شخصية مهمة جدا لفهم الرئيس بوش ومعتقداته وسياساته فهو الذى تولى هداية بوش من حياة اللهو وإدمان الخمور إلى الإيمان بالمبادئ والمعتقدات الدينية للتيار المسيحى البروتستانتى المتشدد المرتبط بإسرائيل، وكان ذلك عندما كان بوش فى الثلاثينات من عمره، فأصبح يؤمن بمذهب العصمة الحرفية البروتستانتى الإنجيلى المتشدد، وانضم بوش إلى أتباع بيلى جراهام الذين يحملون العداء لليهود الليبراليين، ويعتبرون أنفسهم جزءا من اليهود الإسرائيليين، وقد أقنع بيلى جراهام قبل ذلك الرئيس نيكسون ومعاونيه بأن الكثيرين من اليهود أصدقاء مقربون له، وأنهم يحتشدون حوله ويطلبون وده، لأنهم يعلمون أنه يؤيد إسرائيل، وهم لا يعلمون حقيقة شعورى تجاه ما يفعلونه فيها، ولذلك كان الرئيس نيكسون يعتقد أن الإنجيليين معادون للسامية ثقافيا وليس دينيا، وهم فى نفس الوقت يحابون الصهيونية من منطلق دينى وسياسى، وهذا التناقض فسره الانتهازيون على أنه فكر متسق ليس فيه تناقض، وفى عام 1995 عندما اشتعل النقاش حول نظريات بات روبرتسون حول وجود مؤامرة يهودية ماسونية، اعترف نورمان بودهورتيز Podhoretz رئيس تحرير (كومينترى Commentary) بأن تصريحات روبرتسون عن اليهود معادية للسامية، ولكنه التمس العذر لروبرتسون على أساس أنه فى نفس الوقت يساند إسرائيل، ويتعاون مع اللوبى الإسرائيلى فى أمريكا (!)

ويعلق مايكل ليند على ذلك فيقول: هكذا يفكر ويعمل أصحاب التوجه الانتهازى من المحافظين اليهود الجدد، وهكذا يتعاملون مع المتشددين الجنوبيين، فهم يقبلون من الواعظ البروتستانتى أن يتخذ موقفا معاديا لليهود ويقول إنهم ينفذون مؤامرة كبرى ما دام يؤيد إسرائيل فى ذات الوقت، ولا يهم هذا التناقض الآن على الأقل. وهذا الموقف لخصه ايرفينج كريستول فى عام 1948 فى مجلة Commentary. مجلة الجمعية اليهودية الأمريكية.

فقال: لماذا يهتم اليهود بكل ما يقوله أى واعظ متشدد من نظريات لاهوتية؟ وما أهمية مثل هذه الأفكار اللاهوتية النظرية ما دام هذا الواعظ نفسه يؤيد إسرائيل عمليا وبقوة؟.. وهكذا أصبح التحالف وطيدا بين اليمين الدينى والمحافظين الجدد، وتجلى ذلك فى عام 1981 عندما أعطت حكومة إسرائيل للقس جيرى فلويل جائزة جابوتنسكى Jabotinsky التقديرية، وبعدها بعشرين عاما فى 2002 أعطت المنظمة الصهيونية الأمريكية جائزة إلى بات روبرتسون بسبب خدماته لإسرائيل. وكانت هذه المنظمة الصهيونية قد كرمت قبل ذلك بسنوات قليلة دوجلاس فيث وهو الرجل الثالث بين أقوى الرجال الذين يتولون صناعة سياسة وزارة الدفاع فى إدارة الرئيس جورج دبليو بوش وكان هذا التكريم له باعتباره من أبرز الناشطين المؤيدين لإسرائيل.!

***

يقول المؤلف إن المتشددين البروتستانت الجنوبيين فيهم تناقضات مزعجة فى مفهوم الوطنية، فهم يؤيدون المتشددين المؤيدين لإسرائيل حتى عندما يعلنون آراء تتعارض مع الانتماء الوطنى للأمريكيين.

وفى يوم 13 سبتمبر 2001. بعد هجمات 11 سبتمبر بيومين فقط.. ظهر بات روبرتسون فى برنامجه التليفزيونى وأعلن أن الرب هو الذى شاء أن تحدث هذه الهجمات، وأن الرب لا يزال يرفع الستار، ليعطى لأعداء أمريكا الفرصة ليفعلوا بنا ما نستحقه! روبرتسون هو مؤسس الائتلاف المسيحى، وهو الذى أعلن موافقته على ما قاله جيرى فالويل من أن الأمريكيين نزل بهم غضب الرب فجعل أعداءهم قادرين على أن يفعلوا بهم ما يستحقونه! وأضاف جيرى فالويل إلى ذلك أن المسئولين عن هجوم سبتمبر الإرهابى هم: القضاة الفيدراليون، والوثنيون، ومؤيدو الإجهاض، ودعاة المساواة بين المرأة والرجل، والشواذ من الرجال والنساء، وقال إن كل هؤلاء ساعدوا على حدوث ما حدث، وقال عن دليله على ذلك: إن الإرهابيين الانتحاريين الذين صدموا مركز التجارة العالمى والبنتاجون بطائرات مخطوفة كانوا يؤمنون بأنهم فى مهمة بأمر الرب.. واتفق القس جيرى فالويل، والقس بات روبرتسون على هذا التفسير لكارثة 11 سبتمبر.

هل كان لذلك الموقف من الواعظين أثر أو رد فعل جعل اليمين الأمريكى يتخذ منهما موقفا معارضا.. أو ناقدا.. أو رافضا.. أو غاضبا؟ أبدا.. لم يوجه أحد إليهما اللوم، ولم يعلن أحد رفض أو شجب هذه التصريحات، ولم يقل أحد إن هذه خيانة للوطن، وكل ما حدث أن بعض محررى الصحف من المحافظين الجدد كتبوا كلمات عتاب إلى جيرى فالويل وبات روبرتسون، ثم انتهى الأمر بالتسامح، والنسيان!

***

وبالنسبة لحرب العراق، فقد وجه الخبراء العسكريون نقدا لتوجه إدارة الرئيس نحو الحرب وإصرارها على غزو العراق دون مشروعية من مجلس الأمن، ودون موافقة الحلفاء، ودون تقديم أسباب كافية تبرر قيام حرب، وأثار الخبراء الشكوك حول خطة المحافظين الجدد لاحتلال العراق، وحكم الشرق الأوسط بحكم أمريكى إسرائيلى مشترك، ولكن هؤلاء المعارضين للحرب وجهت إليهم حملات تشويه حاصرتهم بالاتهام بالخيانة، بينما لم يقل المحافظون الجدد شيئا عن الواعظين المتشددين الجنوبيين وموقفهما من ضحايا 11 سبتمبر الذين يزيدون على ثلاثة آلاف أمريكى وأجنبى مقيم فى أمريكا واعتبارهما ضحايا شرعيين لعقاب الرب للمجتمع الأمريكى.. كان يمكن اعتبار الواعظين غير وطنيين أو معاديين لأمريكا، ولكنهما- على حد تعبير ايرفينج كريستول- لا يمكن اتهامهما لسبب وحيد: هو أنهما مؤيدان لإسرائيل بقوة.. وهذا كاف لاعتبارهما وطنيين مخلصين مهما قالا عن أمريكا (!)

والغريب أن نظرية جيرى فالويل وبات روبرتسون بأن أسامة بن لادن وأعوانه هم أداة الرب لمعاقبة أمريكا لضعف إيمانها، هذه النظرية أوشكت أن تصبح معتقدا جديدا بين الرجال المقربين من الرئيس جورج دبليو بوش.. وبعد مضى 13 شهرا على هجمات 11 سبتمبر، وفى يوم الجمعة 11 أكتوبر 2002 وقف جويس ميير Joyce Meyer- وهو رئيس جماعة دينية فى ميسورى- وأعلن أمام المؤتمر السنوى للائتلاف المسيحى أن الشعب الأمريكى يستحق ما حدث له من هجمات 11 سبتمبر. وفسر ذلك بقوله: إذا لم نطع الرب، فإن الرب يرفع حمايته عنا.

فالتحالف بين المتشددين البروتسانت الجنوبيين البيض، والمحافظين الجدد اليهود قوى، لأنهم كانوا دائما أقليات مكروهة ومتقوقعة، وحتى اليمين اليهودى كان أقلية داخل المجتمع اليهودى الأمريكى الذى ظل ليبراليا فى السياسة الداخلية.. كذلك كان اليمين الجنوبى أقلية بين الأمريكيين البيض.. واجتمع الاثنان: الأقلية اليهودية المتعصبة.. والأقلية المسيحية المتعصبة.. وجمع بينهما الإيمان بنبوءة عودة المسيح عندما يكتمل قيام إسرائيل وبناء الهيكل.

وهناك عامل آخر يجمع بين اليهود المحافظين والمسيحيين الجنوبيين المحافظين، عامل يجعلهما مختلفين عن الشعور السائد بين الأمريكيين، وهذا العامل من فعل الدعايات المضللة التى تفسر التوحد بينهما على أنه تقارب طبيعى بين ديمقراطية أمريكا وديمقراطية إسرائيل، وهذا القول ليس إلا وليد الدعاية السياسية.. والحقيقة أن هناك تشابها بين تكوين إسرائيل وتكوين أمريكا يجعل التقارب طبيعيا.. فالمستوطنون اليهود الذين أخذوا أرض الفلسطينيين مثلهم مثل المستوطنين الأيرلنديين والأسكتلنديين الذين أخذوا أرض الهنود والأرض المكسيكية وأقاموا عليها أمريكا..

والباحثون الإسرائيليون هم الذين يركزون على هذا التشابه الذى يمثل صلة قربى بين أمريكا وإسرائيل، فقد كتب الباحث الإسرائيلى الليبرالى ياهوشو آريلى Yahoshua Arieli فى عام 1964 يقول: إن الوطنية الأمريكية مبنية على مبادئ مجردة، والشعب الأمريكى ليس عشيرة واحدة، وليس اتحادا للعشائر، وهو شعب يفتقد الوحدة العرقية، والدينية، والثقافية، أى أنه فاقد للخصائص التى تجعل المجتمع مجتمعا موحدا.. ويعلق مؤلف الكتاب على ذلك بأنه سواء كان ذلك صحيحا فيما يتعلق بالوطنية أو غير صحيح، فمن المؤكد أنه غير صحيح فيما يخص هوية الجنوبيين البيض الأمريكيين حتى القرن الحادى والعشرين، إذ أن البروتستانت فى الجنوب الأمريكى عشيرة واحدة، وبينهم وحدة عرقية، وينحدر معظمهم من المهاجرين الإنجليز أو الأسكتلنديين أو الأيرلنديين أو من مقاطعة ويلز البريطانية وتجمع بينهم وحدة ثقافية، ويشتركون معا فى الأفكار واللهجات التى تميز هذا الجزء من أمريكا الممتد من تكساس إلى فيرجينيا وفلوريدا، وكأنه دولة داخل الدولة.. وبين سكان هذه المنطقة تاريخ مشترك ينعكس على مجتمعهم، وقليل منهم هم المنحدرون من نسل أجدادهم الذين هاجروا إلى شمال أمريكا بعد عام 1776، وعموما فإن الجنوبيين يمثلون قبيلة، وهم بالفعل قبيلة تجمع بين أفرادها وحدة، بعكس اليهود الإسرائيليين مثلا الذين ينتمون إلى مجتمعات وثقافات متنوعة، فاليهود الغربيون (الأشكيناز) يختلفون عن اليهود الشرقيين (السفارديم)، وداخل كل قسم من هذين القسمين اختلافات، فليس يهود أسبانيا مثل يهود الفلاشا، وليس يهود شمال أفريقيا مثل يهود اليمن، وهكذا..

وهناك أسباب لتسمية الدين الجنوبى باسم (بروتستانتينية العهد القديم) وعلى سبيل المثال فإن مفهوم الأخلاق عند البروتستانت فى الجنوب أقرب إلى مفهوم الأخلاق عند اليهود المحافظين، أو عند المسلمين السلفيين، فالأخلاق عندهم هى مزيج من الطاعة الحرفية لتعاليم العهد القديم التى أمر بها الرب، بينما لا يلتزم بها معظم المسيحيين فى يومنا هذا، القوانين التى تحكم الأخلاقيات فى تكساس والولايات الجنوبية الأخرى هى ترجمة حرفية تقريبا لما فى العهد القديم، كتاب اليهود المقدس، ويحشد الوعاظ البروتستانت أتباعهم لمعارضة إلغاء القانون الذى يجرم اللواط ويثيرون فيهم الرعب من أن ينالهم عقاب الرب فينزل غضب الله على دالاس وهيوستون ونيويورك، كما نزل على سادوم وعاموراء.. والبروتستانت الجنوبيون مثل اليهود المحافظين أيضا فى عدم التسامح مع أى انحراف فردى عن القواعد السائدة فى القبيلة.

وقبل ثورة الحقوق المدنية كانت تكساس- مثل إسرائيل الآن-تؤمن بالعنصرية، وتفوق جنس واحد على سائر الأجناس، وليس من قبيل المصادفة أن يكون من نتاج مجتمع الجنوب البروتستانتى المتشدد رجل مثل جورج دبليو بوش، وأن يكون من نتاج مجتمع إسرائيل اليهودى المتشدد، رجل مثل ارئيل شارون، وفى التحليل سنجد أنهما نتاج مجتمعين متشابهين، ولذلك نشاهد أن سلوكهما متشابه عندما يشن كل منهما الحرب باسم قبيلته، أو عندما يذهب للاستجمام فى مزرعته، والتاريخ أيضا متشابه، فما فعله الإيرلنديون الاسكتلانديون بالكاثوليك الإيرلنديين فى القرن السابع عشر هو بالضبط ما يفعله المستعمرون اليهود بالفلسطينيين العرب فى القرنين العشرين والحادى والعشرين.

وليس ذلك فقط، فإن أوجه التشابه كثيرة بين ما حدث فى مجتمع البيض الأمريكيين فى مناطق الحزام الذى يسكنه السود الأمريكيون، وما يحدث فى الأراضى التى تحتلها إسرائيل فى فلسطين.. ففى كلتا الحالتين تعيش أقلية محاطة بسكان يعيشون تحت القمع والحرمان من حقوقهم، وتشعر الأقلية بالخوف الدائم من تمرد الأغلبية المظلومة الخاضعة للقهر، وفى الحالتين تتجه الأقلية الظالمة إلى طلب المساندة من قوة خارجية تتفق معها أيديولوجيًا، وتمارس مثلها سياسة الاضطهاد العنصرى والدينى، وبهذه المساعدة تتمكن من السيطرة على المستعبدين.. من روح الأقلية البيضاء البروتستانتية المتشددة فى الجنوب الأمريكى ظهرت سياسة القوة الأحادية، ومن روح الاحتلال الإسرائيلى لأرض العرب ظهرت حكومة وحدة وطنية فى إسرائيل، وبعد عام 1830 أدى الدفاع عن نظام العبودية والتمييز العنصرى إلى توجه الجنوبيين البيض إلى التخلى عن المثالية الليبرالية وعن التنوير، وتحمسوا لاستعادة نزعة التفوق والقوة والعنصرية والقسوة، وأصبحت عقلية الحصار هى الحاكمة، ومنذ عام 1967 ظهر تحول مماثل فى إسرائيل، نتيجة الاحتياج إلى تبرير حكم إسرائيل لشعب مهزوم بدأت إسرائيل تبتعد عن المفاهيم الإنسانية، وظهرت فيها روح القبيلة، واستعادت مفاهيم الدياسبورا اليهودية.

وهذا التشابه بين روح الجنوب الأمريكى وروح الليكود الإسرائيلى دفع مؤرخًا كبيرًا من تكساس مثل فيهر ينباك Fehrembach يقارن بين جيل أبناء تكساس البيض والإسرائيليين، وهذه المقارنة يبدو أنها متعمقة فى الفكر الإسرائيلى، حتى أن بنيامين نيتانياهو عندما كان رئيسًا للوزاء، زار مدينة دالاس فى تكساس يوم 11 أبريل 2002، وفى حديثه عقد مقارنة بين العرب الفلسطينيين والمكسيكيين، وهم المهاجرون الذين يعيشون فى أسوأ الظروف فى ظل اضطهاد سلوك التفوق العنصرى فى تكساس.

***

كل ذلك يقوله مؤلف كتاب (صنع فى تكساس) ويقول أيضا: إن الرئيس بوش الأب فى توجهه نحو الشرق الأوسط حاول الضغط على إسرائيل لكى تمتنع عن الرد على صواريخ صدام حسين أثناء حرب الخليج عام 1990، وضغط عليها بعد هذه الحرب لحضور مؤتمر مدريد للسلام فى سبتمبر 1991 مع جيرانها العرب، ولكن الرئيس بوش وجد جماعات الضغط فى الكونجرس تدفعه إلى منح قرض لإسرائيل بضمان الحكومة الأمريكية..

وعندما طلب من الكونجرس تأجيل نظر هذا القرض لمدة 120 يوما فقط واجه موجة شديدة من الغضب من اللوبى الإسرائيلى، الذى ينتمى إلى الحزب الحاكم وحزب المعارضة على السواء، وبالتأكيد لن ينسى بوش الابن ما حدث لأبيه بعد ذلك من فشل فى انتخابات رئاسة للفترة الثانية، وتعلم من هذا الدرس أن تأييده المطلق لليكود الإسرائيلى هو الذى يضمن له سخاء التبرعات لحملته الانتخابية الوشيكة لفترة رئاسة ثانية، وليس هذا كل شىء، فليس هناك شك فى أن الصلة بين بوش الابن وشارون قائمة على الإقناع أكثر من النفعية، فكما أن بوش جنوبى متشدد، وشديد الإِخلاص للتيار الصهيونى المسيحى فى الحزب الجمهورى، كذلك شارون صيهونى متشدد يعبر عن التيار الدينى اليهودى المتعصب المتمسك بالتفسير الحرفى للتوراة.

***

وعندما كتب الرئيس بوش سيرته الذاتية بعنوان (مهمة يجب الحرص عليها) Acharge to keep وصف رحلته إلى إسرائيل مع مجموعة من السياسيين الأمريكيين بدعوة من الائتلاف اليهودى القومى، وقد تحمل هذا الائتلاف اليهودى تكاليف السفر والإقامة بالكامل، وقال: كان فى الوفد أربعة حكام من حكام الولايات ، واحد ذو توجه دينى منهجى، واثنان كاثوليك، وواحد من المورمون، بالإضافة إلى عدد من الأصدقاء الأمريكان اليهود، وقال: لقد تملكنى شعور غامر عند الوقوف فى الجليل، واستمعت إلى أكثر الخطب تأثيرًا فى التاريخ، فى هذه البقعة التى شرح فيها يسوع طبيعة وشخصية وسلوك الإنسان المؤمن، ومنح أتباعه والعالم السعادة، والحكم الذهبى، وصلاة الرب.. وفى كل ما جاء فى وصفه لرحلته فى إسرائيل لم ترد كلمة واحدة عن العرب الفلسطينيين أو الإسرائيليين العرب، ولم يخطر بباله أن يقول شيئًا عن الملايين الثلاثة من العرب الذين يعيشون تحت الاحتلال العسكرى وحظر التجول فى أراضيهم، ولم يشر بكلمة إلى وجود معالم إسلامية أو وجود إسلام أو عالم إسلامى.. فقط تحدث عن التاريخ اليهودى على أنه مقدمة لمجىء المسيح، وعن الأرض المقدسة على أنها الأرض التى ستشهد مجىء الرب المجسم الذى أنقذ روحه.. وهكذا فإن بوش مثل أبناء تكساس يعتقد أن الرب منح نسل إبراهيم أرض إسرائيل إلى الأبد..

***

يقول مؤلف الكتاب: إن النزعة الإمبريالية لدى الرئيس بوش الابن، مع نزعة التشدد الدينى، يعبران عن اتجاه ليست له سوابق فى السياسة الخارجية الأمريكية، ولكن لها مثيل فقط فى الإمبريالية البريطانية فى القرن التاسع عشر، ويظهر التشابه أكثر عندما يضاف إلى ذلك الفكر الجنوبى الأمريكى الذى يتطابق مع الفكر البريطانى عن حرية التجارة العالمية، وعند التدقيق سنجد أن الولايات المتحدة فى القرن الحادى والعشرين تماثل بريطانيا فى القرن التاسع عشر، فى إرادة الانفراد بتنظيم العالم، وتعزيز التجارة الحرة.. بل تشجيع عودة اليهود إلى الأرض المقدسة، كذلك نجد التشابه بين مشروع البروتستانت الإنجيليين فى القرن الــ 19 وأوائل القرن العشرين، ومشروع البروتستانت الإنجيليين الأمريكيين فى أواخر القرن العشرين والقرن الحادى والعشرين (!) فإن الرؤية الجنوبية المحافظة لأمريكا والنظام العالمى فى القرن الحادى والعشرين يشبهان تمامًا النظام العالمى الإمبريالى البريطانى فى القرن التاسع عشر بأكثر مما يشبهان النظام العالمى الذى أسسه روزفلت عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية، كذلك فإن المساندة المطلقة والحماسة المفرطة لدولة إسرائيل هما امتداد لدور بريطانيا التى أنشأت إسرائيل، وليس فى هذا الامتداد ما يثير الدهشة، لأن الجنوب الأمريكى هو أكثر المناطق فى الولايات المتحدة تأثرًا ببريطانيا، ولم يهاجر إلى الجنوب الأمريكى من الجنس الأبيض سوى البريطانيين، ولذلك يمكن اعتبار الجنوب، بما فيه تكساس، بمثابة المتحف الذى يضم أصحاب الأيديولوجية البريطانية، والسلالة البريطانية والتقاليد البريطانية. وحتى فى الدين، فالمذهب السائد فى الجنوب الأمريكى هو مذهب البيوريتان الذى أسسه كرومويل فى بريطانيا فى القرن السابع عشر، وأضاف إليه داربى وهو بريطانى أيضا بعض التعديلات فى القرن التاسع عشر، وداربى يؤمن بالتدبير الإلهى لشئون العالم، كذلك فإن فكرة الجنوبيين الأمريكيين عن الطبقات الاجتماعية مأخوذة من نظام الصفوة البريطانية الذين استقروا فى الجنوب فى القرن الثامن عشر، والنظرية الاقتصادية للرئيس بوش هى نفسها النظرية البريطانية فى القرن التاسع عشر.

***

والجنوبيون المحافظون لهم فى التاريخ محاولة فاشلة بين عامى 1861 و1865 عندما حاولوا الهروب من الولايات المتحدة إلى الكاريبى وأمريكا الوسطى لإقامة إمبراطوريتهم البروتستانتية العسكرية الخاصة بهم، وكان هدفهم أن تتحالف إمبراطوريتهم مع الإمبراطورية البريطانية التى لها السيادة على العالم، وهذا التاريخ يعود من جديد.. ويسعى الجنوبيون المحافظون إلى استخدام قوة الرئاسة الأمريكية لإعادة تصنيع العالم على غرار الإمبراطورية البريطانية فى عهد الملكة فيكتوريا، وهذا ما يجعلهم يتنكرون لتاريخ يمتد نحو نصف قرن من الحكم الليبرالى الذى أسسه فرانكلين روزفلت.. ولا يشغلهم سوى القضاء على فكر روزفلت وإبراهام لينكولن عن الاقتصاد القومى ليضعوا فكرًا جديدًا قائمًا على سيطرة أمريكا على الاقتصاد العالمى وعلى التجارة العالمية.

***

ليس هذا كل ما جاء فى كتاب (صنع فى تكساس) الذى ألفه مايكل ليند الباحث السياسى والتاريخى، وهذا الكتاب الذى يتحدث بعمق شديد، وصراحة مطلقة ويقوم بتشريح العقل الأمريكى فى الجنوب، وفى تكساس بالذات، لكى نعرف فى أية بيئة عاش الرئيس بوش، وما هى العقيدة الدينية المسيطرة عليه، وإلى أين تتوجه روحه، وما هى أهدافه..

والرئيس بوش ليس وحده الذى صنع فى الجنوب الأمريكى فكل من حوله تقريبا صناعة جنوبية، بالموطن.. والفكر.. والنزعة العسكرية الإمبريالية العنصرية المتعالية.

وما نشاهده بعيوننا يكفى لنقول: إن مايكل ليند لم يقل شيئا غير الحقيقة.. وليتنا نترجم هذا الكتاب بالكامل ليقرأه كل عربى فى كل موقع لكى يفهم.. ما أحوج العرب لأن يفهموا!

أعلي الصفحة

 

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف