أجري علماء الاجتماع والسياسة دراسات عديدة عن أسباب القلق والتوتر الاجتماعي والأزمات في المجتمع المصري التي تنعكس علي الشخصية المصرية.
ولا يختلف عالم السياسة الدكتور علي الدين هلال عن العالم الاجتماعي الدكتور علي عبد الرازق الجلبي في أن غياب القانون هو أول أسباب هذه الحالة.يشير الدكتور علي الدين هلال في حديثه الي الأهرام(19 يونيو2010) الي أن الدولة الحديثة تقوم علي أساس القانون أما ما يحدث في مصر فإنه يخرج الأمور من سياقها العام ويدخلها في سياق شخصي.. وان عدم تطبيق القانون علي الجميع وبنفس الدرجة هو بداية للتمييز بين المصريين ويفتح باب الفساد لأنه يعني أن هناك من يخضع للقانون وهناك من لا يخضع له.. ودليله علي ذلك أن أزمة زواج المطلقين المسيحيين الارثوذكس سببها التأخر في اصدار قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين لتعديل لائحة صدرت عام1938 وللكنيسة اعتراضات دينية عليها وتطالب بقانون جديد ومشروع القانون جاهز منذ عشرات السنين.. وأزمة العلاج علي نفقة الدولة في حقيقتها فساد علي نفقة الدولة حصلت منها مستشفيات خاصة علي الملايين بدلا من المستشفيات العامة وبالغت في تقدير تكاليف العلاج بسبب غياب القانون والقواعد.
ويشير الدكتور علي الدين هلال الي ظاهرة اجتماعية تدعو للقلق هي ما يسميها حروب الطوائف والقبائل فكلما تعرض فرد في قبيلة لاعتداء يسارع أبناء القبيلة كلهم إلي الخروج لنصرته دون وقفة لمعرفة الملابسات وما إذا كان مخطئا أو غير مخطيء, ويستشهد علي ذلك بالشعارات الفئوية في أزمة المحامين والقضاة وفي أزمة الكنيسة حيث تردد شعار الانجيل هو الدستور مما يمثل خروجا علي جوهر الدولة المدنية في مواجهة شعار الاسلام هو الحل
ولأهمية تحليل الدكتور علي الدين هلال لأوضاع المصريين نتوقف عند ملاحظته عن أخطر ظاهرة في رأيه وهي ثلاثية الأرض والثروة والسلطة, وأن الجزء الأكبر من تراكم ثروات الأغنياء كان نتيجة تخصيص أرض لهم بأسعار بسيطة للغاية ورمزية ثم ارتفع سعرها بمبالغ ضخمة كما هو متوقع وأغلبهم لم يدفعوا من ثمن الأرض غير القسط الأول.. وفي ذلك مخالفة للدستور الذي يحظر علي الوزراء وأعضاء البرلمان والقيادات التنفيذية والحزبية الاستمرار في أعمالهم الخاصة او التعامل مع أية جهة حكومية بالبيع أو الشراء والدخول في شركات أو معاملات تجارية خلال وجودهم في مواقعهم, ومخالفة الدستور هي أم الكبائر, وأصحاب المناصب يطلعون علي معلومات بحكم مواقعهم تستفيد منها شركاتهم وأعمالهم الخاصة.
وآراء الدكتور علي الدين هلال تستحق أن نتوقف عندها لأنه بحكم موقعه القيادي في قمة الحزب الحاكم ومكانته العلمية الكبيرة لابد أن تؤخذ آراءه وأقواله بما تستحق من الجدية لدي المؤسسة التشريعية والحكومية وأصحاب القرار. أما عالم الاجتماع الدكتور علي عبدالرازق الجلبي فانه يرصد التغيرات الجوهرية التي جعلت المصريين اليوم يختلفون عما كانوا عليه منذ سنوات, أولا بتأثير العولمة التي فرضت عليهم أنظمة مختلفة اقتصادية وسياسية ومنظومة قيم. ويذكرنا الدكتور الجلبي بالأحداث الاجتماعية المهمة التي توالت منذ السبعينيات من القرن الماضي وأدت الي تغير أوضاع الطبقات والقيم الاجتماعية, في مقدمة هذه الأحداث حرب اكتوبر, والانفتاح الاقتصادي, والخصخصة, وظهور الأحزاب السياسية والتعديلات الدستورية, وانتخابات الرئاسة, وما حدث نتيجة لذلك من انقسام طبقي الي شرائح عليا وشرائح دنيا وتفكيك الطبقة المتوسطة ونشر قيم الطبقة الجديدة بعد أن أصبح الملاك5% من مجموع السكان يحوزون نصف الدخل القومي, وأصبح40% من المصريين تحت خط الفقر وبعد أن اعيد ترتيب علاقات الملكية بفتح باب الاقتصاد أمام رؤوس الأموال الأجنبية, وبقوانين تحرير التجارة والزراعة وإعادة نشاط البورصة, والعمل علي الحاق النظام الاقتصادي المصري بالنظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي وصدور قوانين تخفيض الضرائب علي أصحاب الدخول الكبيرة, وتخفيض الجمارك والاعفاءات الجمركية لتيسير الاستيراد وبعد أن كان الشعار التصنيع من الابرة الي الصاروخ أصبح الشعار الاستيراد من الابرة إلي الصاروخ وتوسع البنوك في منح القروض بضمانات غير كافية, وانتشار الحظوة وعلاقات القرابة, ونشأة تكتلات وتحالفات فئوية وطبقية من أصحاب المصالح والمستوردين والمصدرين ووكلاء الشركات الأجنبية للحصول علي امتيازات ودعم من الدولة وانشاء تكتلات مشتركة مع نظرائهم في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها, وسهولة حصول هؤلاء علي الأراضي, وأدي كل ذلك الي ظهور طبقة رأسمالية محدودة استأثرت بثمار عملية النمو وازداد ثقلها الاجتماعي والسياسي بعد أن جمعت في يدها ثلاثية القوة, الأرض والثروة والسلطة والنتيجة ضعف قيم العطاء وانتشار قيم الانانية والفردية والسلبية والرغبة في الهجرة.
وهكذا يعيش المصريون في انتظار الاصلاح.. عسي ان تجد صيحات وتحذيرات العلماء صدي قبل فوات الأوان.